في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، وما أفرزته الأزمات والحروب الأخيرة من اضطرابات في سلاسل الإمداد الغذائي، بات من الضروري إعادة النظر بجدية في واقع الأمن الغذائي في مملكة البحرين، والعمل على تبني منظومة استراتيجية متكاملة تواكب التحديات الراهنة، وتؤمّن احتياجات المجتمع على المدى القريب والبعيد.

فقد كشفت تلك الظروف عن مؤشرات واضحة تؤكد الحاجة الماسة إلى تنويع مصادر الغذاء وعدم الاعتماد على الاستيراد كمصدر رئيسي، بل التوجه نحو بناء قدرات وطنية مستدامة في هذا القطاع الحيوي.

إن تطوير مشاريع الأمن الغذائي لم يعد خياراً، بل أصبح ضرورة وطنية تفرضها التحديات الإقليمية والدولية وهو ما يستدعي التوسع في الاستثمار الزراعي وتبني التقنيات الحديثة إلى جانب إنشاء مراكز متخصصة في الدراسات والأبحاث الزراعية تُسهم في تطوير الإنتاج المحلي ورفع كفاءته بما يحقق الاكتفاء الذاتي التدريجي، كما أن دعم الابتكار في الزراعة وتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص يمثلان ركيزة أساسية في بناء منظومة غذائية متينة وقادرة على الصمود.

وفي هذا السياق، تبرز الجهود الوطنية الرائدة التي تقودها صاحبة السمو الملكي الأميرة سبيكة بنت إبراهيم آل خليفة قرينة ملك البلاد المعظم رئيسة المجلس الأعلى للمرأة، من خلال المبادرات التي أطلقتها بصفتها رئيسة المجلس الاستشاري للمبادرة الوطنية لتنمية القطاع الزراعي، والتي تهدف إلى تمكين المشاريع الوطنية وتعزيز دورها في تحقيق الأمن الغذائي. وتشكل هذه الرؤية نموذجاً متقدماً في دعم الإنتاج المحلي، وتشجيع الاستثمار في القطاع الزراعي بما يُسهم في تحقيق التنمية المستدامة.

ولا يخفى أن المنتجات الزراعية البحرينية إلى جانب ما يرتبط بها من ثروة حيوانية تتمتع بجودة عالية وقيمة غذائية متميزة جعلتها محل تفضيل لدى المستهلكين، وهي ميزة تنافسية ينبغي استثمارها وتعزيزها، وهذه النعمة التي أنعم الله بها على البحرين تتطلب توجيه الجهود نحو تعظيم الاستفادة منها وتحويلها إلى عنصر قوة في الاقتصاد الوطني.

لقد أثبتت التجارب الأخيرة أن الأمن الغذائي يمثّل خط الدفاع الأول لحماية المجتمعات، وأن الاستثمار فيه هو استثمار في الاستقرار والسيادة الوطنية.

ومن هنا، فإن بناء مخزون استراتيجي آمن وتطوير مشاريع إنتاجية مستدامة يشكّلان ضمانة حقيقية للأجيال الحاضرة واحتياطاً موثوقاً للأجيال القادمة.

ويبقى الأمل معقوداً على أن تواصل البحرين خطواتها الطموحة في هذا المجال وصولاً إلى مرحلة تتحول فيها من دولة مستوردة إلى دولة قادرة على التصدير الغذائي، مستندة في ذلك إلى ما تملكه من مقومات طبيعية وبشرية؛ فالأرض أرض خير، وأهلها أهل عطاء، والإرادة الوطنية قادرة على تحقيق هذا الطموح.