عيسى الحمادي

لقد شاءت الأقدار أن تمرّ مملكة البحرين بمرحلةٍ اختُبرت فيها العزائم، وتمايزت فيها الصفوف، وظهر فيها من صدق في ولائه، وثبت على عهده، ممن اتخذوا من حب الوطن عقيدة، ومن طاعة قيادته نهجًا وسبيلاً. فكانت القيادة الرشيدة لحضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم حفظه الله ورعاه، ومن بعده عضده وساعده صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء حفظه الله، مثالًا في الحزم المقرون بالحكمة، وفي التدبير الذي يجمع بين ثبات الموقف وسداد الرأي في قيادة الجهود الوطنية للتصدي للاعتداءات الإيرانية الآثمة، بما عزّز الجاهزية، ورسّخ الثقة، وأحكم إدارة الموقف في أدقّ الظروف.

وفي ذروة هذا المشهد، تسمو العبارة لتبلغ غاية معناها، فتتجلّى «معركة درع الجندي الأول الملك الشامخ الوائلي، سيف الردع الجلي» لا وصفًا عابرًا، بل عنوانًا مكينًا للمعركة الراهنة في التصدّي للعدوان الإيراني الآثم، وتجسيدًا ناطقًا لنهج القيادة العليا، إذ تنعقد دلالتها وتستقرّ لما انبثق من رؤية سديدة وثاقبة لحضرة صاحب الجلالة الملك المعظم، الجندي الأول - الملك المؤسس لقوة دفاع البحرين، بانطلاق ضوؤها الأول يوم أرسى دعائمها قبل ثمانيةٍ وخمسين عامًا، فغدت اليوم حصنًا لا يُرام، وركنًا لا يُضام، تضرب جذورها في عمق التأسيس، وتمتدّ ظلالها في حاضر العزم، شاهدةً على إرادةٍ لا تنكسر، ومسيرةٍ لا تنقطع، تتوارثها الأجيال كما يُتوارث المجد الراسخ.

وما كان لهذه الجهود أن تؤتي أُكلها، ولا أن تبلغ غاياتها، لولا التفاف أبناء البحرين المخلصين حول راية وطنهم، التفافًا لا تشوبه شائبة، ولا تعتريه ريبة، إذ تجلّت فيهم معاني الوحدة الوطنية، وظهرت فيهم شمائل التكاتف والتعاضد، حتى كأن القلوب قلبٌ واحد، والصفوف صفٌّ مرصوص، لا يُنال منه ولا يُثلم.

ثم إنك لو نظرت إلى الصفوف، لرأيت عجبًا، صفوفًا في المقدمة تدفع، وأخرى في المؤخرة ترفد، وكلٌّ في موقعه قائمٌ بواجبه، لا يستعفي ولا يتوانى. فمن عسكريٍّ رابط على ثغر، إلى رجل أمنٍ ساهر على حماية المجتمع، إلى منتسبٍ في القطاع المدني يمدّ جسور الاستمرار، بل إلى رجل إعلامٍ يُحسن البيان، ويُقيم الحجة، ويذبّ عن الحقيقة، فيكشف الزيف، ويُرسّخ الوعي، ويصون الجبهة الداخلية من غوائل الشائعات، فكان الإعلام بحق درعًا معنويًا لا يقل أثرًا عن دروع الميدان.

ولا يفوت في هذا المقام أن تُذكر الجهود المباركة لسمو الشيخ ناصر بن حمد آل خليفة، مستشار الأمن الوطني قائد الحرس الملكي الأمين العام لمجلس الدفاع الأعلى، بما اضطلع به من أدوارٍ محوريةٍ في دعم الجاهزية، وتعزيز التنسيق، واستنهاض الهمم، في صورةٍ تجلّت فيها روح القيادة التي تجمع بين العزم والإقدام. ويلي ذلك ذكر سمو الشيخ خالد بن حمد آل خليفة نائب رئيس المجلس الأعلى للشباب والرياضة قائد العمليات الخاصة بالحرس الملكي، بما عُرف عنه من إسهاماتٍ فاعلة في دعم المبادرات الوطنية، وترسيخ روح العزيمة والانضباط، وإذكاء معاني الإقدام في نفوس الشباب، في مشهدٍ يعكس تلاحم الأدوار وتكامل الجهود. كما تتجلى إسهامات سمو الشيخ عيسى بن سلمان بن حمد آل خليفة، وزير ديوان رئيس مجلس الوزراء، في متابعة الملفات الحيوية، والإسهام في ترسيخ استمرارية العمل الوطني بكفاءة واقتدار، بما يعكس تكامل الأدوار وتساند الجهود تحت مظلة القيادة العليا، إلى جانب سمو الشيخ محمد بن سلمان بن حمد آل خليفة، بما يضطلع به من أدوارٍ داعمة في مسارات العمل الوطني، ومساهماتٍ تعكس روح المسؤولية، وتؤكد عمق الامتداد القيادي الذي يرفد الحاضر بثبات، ويستشرف المستقبل بثقة.

ويبرز درع الوطن، وسيفه الصقيل، المشير الركن معالي الشيخ خليفة بن أحمد آل خليفة، القائد العام لقوة دفاع البحرين، الذي وقف حيث يجب الوقوف، وقاد حيث يُطلب الحزم، ونفّذ حيث يكون الفعل أبلغ من القول، فكان أداؤه تجسيدًا حيًّا لانضباط المؤسسة العسكرية، وتكامل قدراتها في الذود عن حياض الوطن.

ويبرز كذلك الفريق أول معالي الشيخ راشد بن عبدالله آل خليفة، وزير الداخلية، بما اضطلع به من دورٍ محوري في تعزيز الأمن الداخلي، وترسيخ الجاهزية الأمنية، وصون الجبهة الداخلية من كل ما يُراد بها، في تكاملٍ واضح مع المنظومة الدفاعية، وتناسقٍ محكم بين حماية الداخل وصون الخارج.

ولا يُغفل في هذا السياق ما قام به معالي الشيخ سلمان بن خليفة آل خليفة، وزير المالية والاقتصاد الوطني، من جهودٍ في صون الاستقرار المالي، وضمان استدامة الموارد، بما يُسند الجبهة الداخلية، ويعزز قدرة الدولة على المضي قدمًا بثبات في مواجهة التحديات، إلى جانب ما اضطلع به كافة مسؤولي الدولة وموظفيها، الذين لم يدّخروا جهدًا، ولم يألوا وسعًا، في استمرار عجلة العمل، وصون المكتسبات، وخدمة الوطن في أدقّ الظروف وأشدّها.

في خضمّ هذه المواقف، برز رجال الميدان، رجالٌ تشكّلت عزائمهم في ميادين الفعل، وتربّت نفوسهم على معاني الثبات، فإذا ادلهمّت الخطوب كانوا لها، وإذا نادى الواجب لبّوا النداء غير هيّابين ولا مترددين، يحملون من إرث البأس ما يجعلهم عنوانًا للثبات، وصورةً حيةً لمعنى الانتماء الصادق.

وما رميت إذ رميت، ولكن الله رمى، آيةٌ تتردّد في مقامها، وتُستحضر في معناها، إذ إن من وقف على ثغور الدفاع عن الوطن، لم يكن يرمي وحده، ولا يدفع بذاته فحسب، بل كان بتوفيق الله عز وجل أولًا وآخرًا مؤيَّدًا بعزيمة أمة، ومسددًا بإرادة وطن، تحفّه دعوات المخلصين، وتعضده وحدة الصفوف.

وهذه لعمري ليست واقعة تُطوى صحيفتها بانقضاء أيامها، ولا حادثة تُنسى بزوال آثارها، بل هي دروسٌ وعبر ينبغي أن تُخلَّد في ذاكرة الوطن، وتُكتب بماء الفخر في سجلاته، دروسٌ في الوطنية الصادقة التي لا تعرف التردد، وفي الولاء الذي لا يتزعزع، وفي الانتماء الذي لا يلين أمام الشدائد.

فإن الأوطان لا تقوم إلا على أكتاف رجالٍ إذا دُعوا أجابوا، وإذا وُكل إليهم أدّوا، وإذا اشتدّ الخطب ثبتوا، لا تزلزلهم الأهواء، ولا تفتّ في عضدهم الخطوب. وهؤلاء هم الذين تُصان بهم الأوطان، وتُحفظ بهم المكتسبات، ويُكتب بهم للتاريخ أن مملكة البحرين كانت وما زالت دار عزٍّ ومنعة، لا تنكسر لها قناة، ولا تُنال لها راية.