حين كان الخميني على متن الطائرة القادمة من فرنسا إلى طهران عام 1979، وفي لحظة كان يُفترض أن تكون مشبعة بالمشاعر، توجّه إليه أحد الصحفيين بلطف قائلاً: «هل تتكرم وتخبرنا ماذا تشعر وأنت تعود إلى إيران؟».
صمت لثوانٍ. لم يلتفت إليه. لم ينظر حتى في عينيه. رفع رأسه ببرود، وبكل غرور وعنجهية، وأجاب بكلمة واحدة: «هيج».. أي «لا شيء».
لم تكن مجرد إجابة مقتضبة، بل كانت مشهداً كاملاً يختصر الرجل ومشروعه. أسلوبه، نبرته، تجاهله للسؤال، كلها كانت تقول شيئاً واحداً: هذا الرجل لا يعود إلى وطنه حباً فيه، بل يدخل إليه بمشروعٍ أكبر منه. لم يكن يحمل حنين المنفى، ولا شوق العائد، بل كان يحمل خطة.قمة التعجرف أن تعود إلى أرضك بلا شعور. وقمة الغرور أن تختصر وطناً كاملاً بكلمة «لا شيء». فالوطن لدى الإنسان الطبيعي ذاكرة وانتماء وناس، أما في عقل الخميني، فلم تكن إيران سوى نقطة انطلاق.
الثورة التي سبقته لم تكن فقط غضباً شعبياً، بل عملية ممنهجة لإعادة تشكيل الوعي عبر أشرطة كانت تُهرّب إلى الداخل، لتؤدلج الشارع وتعيد توجيهه. وعندما وصل، لم يصل ليبني دولة، بل ليؤسس مشروعاً عابراً للحدود، قائماً على التوسع، وعلى تصدير الأيديولوجيا.
كان مشروعاً واضح المعالم: توسّع، تمويل ميليشيات، صناعة أذرع وزعزعة استقرار. وهنا نفهم أن كلمة «هيج» لم تكن لحظة، بل كانت عقيدة. ومنذ ذلك اليوم، أصبحت «هيج» منهج حكم. لا شيء يهم.. لا الإنسان، لا الخدمات، لا الكرامة، ولا حتى الأرض نفسها.
يكفي أن ننظر إلى جفاف نهر زاينده رود في أصفهان، نتيجة الفساد، لندرك أن حياة الناس لا تعني شيئاً. ويكفي أن ننظر إلى الإعدامات الجماعية في الأسابيع الخمسة الماضية، لنفهم أن الأرواح أيضاً «هيج». لكن الأخطر، أن هذه العقيدة لم تبقَ داخل إيران.
من لا يرى قيمة لبلده كيف يمكن أن يرى قيمة لدول الجوار؟ ومن لا تعني له أرواح شعبه شيئاً كيف يمكن أن تعني له جسور أو خدمات أو مدن؟
خلال الأسابيع الماضية، ومع تصاعد التوترات، امتد هذا المنطق إلى الخارج، في عدوان مباشر طال دول الخليج والأردن، عبر استهداف البنية التحتية وإطلاق المسيّرات والصواريخ. حتى في ظل الهدنة، لم يتوقف هذا السلوك، لأن المسألة ليست رد فعل.. بل نهج مستمر منذ 47 عاماً.
حين استُهدفت منشآتنا، وحين ضُربت بنيتنا التحتية، لم يكن ذلك مجرد عمل عسكري، بل ترجمة فعلية لفلسفة «هيج». فمن لا يرى قيمة للبلد الذي يحكمه، كيف يمكن أن يرى قيمة لدول الجوار؟ ومن لا تعني له أرواح شعبه شيئاً، كيف يمكن أن تعني له جسور أو خدمات أو مدن؟
حتى عندما هدّد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتدمير البنية التحتية في إيران، لم يكن ذلك كافياً لتغيير السلوك، لأن العقلية التي تحكم هذا النظام لا ترى في كل ذلك إلا «هيج». لا تعني لها الحياة اليومية، ولا معاناة الناس، ولا احتياجاتهم. ما يهم هو المشروع، لا الإنسان.
ومن يعتقد أن الداخل الإيراني يقف خلف هذا النظام، لا يعرف ما يحدث. الحقيقة التي تتسرّب، كلما فُتح الإنترنت، تكشف أن هناك شعباً يصرخ، يطالب بالتغيير، بل وصل الأمر بالبعض إلى المطالبة بضرب المنشآت النووية، أملاً في أن تستيقظ الأجيال القادمة على حرية لم يعيشوها.
هذه صرخة شعب لم يختر هذا المصير، لكنه ورثه.
وهنا يظهر الفارق الجوهري: بين «هيج».. و«كل شيء».
في مقابل هذه الذهنية التي تُفرغ الإنسان من قيمته، تقف دول الخليج بنموذج مختلف تماماً. نموذج يرى أن الإنسان هو الأساس، وأن كل مواطن وكل مقيم... هو كل شيء.
عندما كانت الجمهورية الإسلامية في إيران تدعم وتسلح الميليشيات الإرهابية في منطقتنا، كان قادة دول الخليج يساهمون بسخاء في مساعدة البشر في كل أنحاء العالم، بغض النظر عن العرق أو الهوية أو الجنسية. هذا العطاء من قادة الخليج للعالم كان برهاناً على أن الأولوية لديهم هي الإنسان وكرامته. وهنا يظهر الفارق الجوهري بين نظام ولاية الفقيه، الذي ينشر الفوضى، وبين قادة دول الخليج، الذين ينشرون الخير والإنسانية.
ولذلك، عندما تعرّضت دول الخليج للهجمات، لم يكن الرد مجرد دفاع عسكري، بل كان دفاعاً عن الإنسان. سَهِرَت قواتنا المسلحة. وقف جنودنا. تحرّكت مؤسساتنا. عملت دول الخليج بكل ما تملك، بكل شجاعة ومسؤولية، لحماية كل إنسان يعيش على أرضها.
هنا يتجسّد الفرق الحقيقي: هناك من يحكم بمنطق «لا شيء»، وهناك من يقود بمنطق «كل شيء». وهنا أيضاً تبرز المفارقة الأخلاقية: كيف يمكن لنظام قائم على القمع والإرهاب أن يُقدَّم كنموذج يُحتذى؟ كيف يمكن أن يرى الموالون لهذا النظام مرشدًا أعلى يتبنى نهج الإرهاب كمقلد أو مرجع ديني، وهو الذي ضرب بكل مبادئ الدين عرض الحائط؟
أليس الدين دعوة للرحمة؟ للتعايش؟ لاحترام الإنسان؟
ما نشهده اليوم ليس مجرد صراع سياسي، بل صراع بين فكرتين: فكرة تُلغي الإنسان، وفكرة تجعله الأساس.
إغلاق مضيق هرمز، وتهديد الأمن الملاحي العالمي، ليس إلا امتداداً لهذا المنطق. حين تصبح مصالح العالم واحتياجات البشر مجرد أوراق ضغط، فنحن أمام عقلية لا ترى في كل ذلك إلا «هيج».
وفي النهاية، نعود إلى تلك الكلمة الأولى. «هيج» لم تكن إجابة على سؤال.. بل كانت إعلان مشروع. لم تكن تعني لحظة.. بل كانت تعني 47 عاماً. لم تكن عن إيران فقط، بل عن كل ما يقف خارج مشروعهم. وفي المقابل.. هناك من يؤمن أن الإنسان ليس «هيج».. بل كل شيء.