قبل أيام كنت ضيفاً على تلفزيون البحرين متحدثاً عن التحديات التي تواجه مملكة البحرين، والتي لم تعد تقتصر على الأبعاد العسكرية التقليدية، بل امتدت لتشمل ميادين أكثر تعقيداً وخطورة، وفي مقدمتها «حرب الوعي» التي تُدار عبر الفضاء الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي.وقد بدا ذلك جلياً من خلال متابعة ما يُبث ويُروّج له، لنكتشف أننا أمام حرب ممنهجة تستهدف النسيج الاجتماعي الفريد لشعب البحرين. ولا يخفى على أحد أن هذا النسيج يمثل هدفاً رئيسياً، خاصة في ظل الاعتداءات الإيرانية المتكررة على السيادة الوطنية، ومحاولات التأثير على وعي الأفراد وتوجيهه.
لقد تعرضت البحرين لعشرات الحملات الإعلامية المضللة التي سعت إلى إحداث شرخ بين مكونات المجتمع الواحد، إلا أن شعب البحرين -ولله الحمد- أثبت صلابة استثنائية وقدرة على تجاوز التحديات. غير أن هذه المرحلة تفرض علينا الانتقال من رد الفعل إلى بناء استراتيجية مستدامة قائمة على «الحصانة المجتمعية».
وتبدأ هذه الحصانة من تعزيز السردية الوطنية، واستحضار الموروث التاريخي الغني بالمواقف الجامعة، بدءاً من تأسيس الدولة في عهد عيسى الكبير، مروراً بمحطات الاستقلال، وتجارب الوحدة العربية، وصولاً إلى ميثاق العمل الوطني وبناء الدولة الدستورية الحديثة. ففي كل هذه المحطات، تتجلى وحدة الصف البحريني كحقيقة راسخة لا تقبل التشكيك.
أما على المستوى التقني، فقد أصبحت الهواتف الذكية -التي نحملها بين أيدينا- من أخطر أدوات التأثير، بعد أن تحولت إلى منصات لإطلاق «رصاصات رقمية» تستهدف العقول عن بُعد. وقد كشفت الأزمات الأخيرة حجم وخطورة الإعلام المضلل، بما لا يدع مجالاً للشك أننا أمام سلاح يجب احتواؤه وإعادة توجيهه.. لا تجاهله.
غير أن مواجهة هذا النوع من الحروب تتطلب إنتاج محتوى موثوق، وبناء مصادر قوية قادرة على كسب ثقة المتلقي. وللأسف، فإن سرعة انتشار الأخبار المضللة غالباً ما تتفوق على الحقيقة، مما يخلق فجوة خطيرة في الوعي العام. وهنا تبرز مسؤولية الإعلام الوطني في أن يكون صانع الرواية الأولى، لا مجرد طرف في الرد عليها.
كما أن تحييد «المنصات السامة» لم يعد ممكناً بالوسائل التقليدية، بل يتطلب أدوات حديثة ونهجاً تشاركياً يُستدعى فيه المواطن ليكون شريكاً فاعلاً، لا متلقياً سلبياً. من خلال تشجيع الإبلاغ المنظم عن المحتوى المضلل، يمكن تحويل المجتمع إلى خط دفاع أول، يصبح فيه المواطن «عصب هذه الحرب الناعمة».
وفي هذا السياق، تبرز أهمية تمكين المواطنين -بل وحتى الأطفال- من أدوات تحليل المحتوى الرقمي، وفهم تقنيات مثل «التزييف العميق (Deepfake)»، وطرح السؤال الجوهري: من المستفيد من نشر هذه الرسالة؟
هذا السؤال وحده كفيل بنقل الفرد من حالة التلقي إلى الوعي النقدي.
إن العدو الإعلامي يبحث دائماً عن «فتيل» لإحداث «شرارة»، بينما يجب أن نُنشئ في كل مواطن بحريني «رجل إطفاء» قادراً على احتواء هذه الشرارة قبل أن تتحول إلى أزمة.
لقد قدمت قيادتنا الوطنية نموذجاً راسخاً في احتواء الجميع تحت مظلة المشروع الإصلاحي لحضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم حفظه الله ورعاه، وهو ما يعزز ثقة المواطن في دولته، ويمنحه الجرأة الأخلاقية لرفض خطاب الكراهية، إيماناً بأن وطنه يكفل حقوقه ويحمي وحدته.
* رئيس تحرير صحيفة «ديلي تربيون» الإنجليزية