بدر علي قمبر

جميل جداً أن نبني مجتمعاتنا وأوطاننا على مبادئ «الإحسان»، وأن يكون الإحسان قيمة أساسية في جميع معاملاتنا الحياتية، وفي أعمالنا وأسرنا. فالإحسان ينعكس إيجاباً، ويثمر إنتاجاً مجتمعياً متميزاً في أهدافه وغاياته ومخرجاته، ويعزّز التماسك بين فئاته، ويقوّي العلاقات ويزيد من ترابطها. فهو مبدأٌ أصيل، يجدر بنا أن نُربي عليه أبناءنا منذ السنوات الأولى من أعمارهم، وأن نكون قدوات فاعلة في المجتمع، من أجل أن نبني الخير بإحسان، وننشر القيم التي تربينا عليها. إنه مبدأٌ أصيل لا نحيد عنه أبداً، ومن الواجب أن نرسّخ مبادئ أساسية في تعاملاتنا اليومية، مستمدة من ديننا الحنيف.

يقول الله عز وجل: (وأحسنوا إن الله يحب المحسنين)، وقال سبحانه: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملاً). والإحسان من أعلى مراتب الدين، وقد فسّره النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث بقوله: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك».

وانطلاقاً من هذا المعنى العظيم، يتجلى الإحسان في تعامل الإنسان مع الناس، وبخاصة في أوقات الأزمات والشدائد، حيث قال صلى الله عليه وسلم: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً». ومن الإحسان أيضاً السعي في نفع الناس، وقضاء حوائجهم، وتفريج كرباتهم، كما قال صلى الله عليه وسلم: «من نفّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة». وقد ورد في قصة سيدنا يوسف عليه السلام أنه كان من المحسنين، كما جاء في قوله تعالى: (إنا نراك من المحسنين). وقال الضحّاك: «كان من إحسانه أنه إذا مرض رجل في السجن قام عليه، وإذا ضاق عليه المكان وسّع له، وإذا احتاج أحد سأل له وجمع له. وكذلك لما أصبح عزيز مصر، لم ينقطع إحسانه، فقال له إخوته، وهم لا يعرفونه: (إنا نراك من المحسنين)». وكان النبي صلى الله عليه وسلم سيد المحسنين، كما وصفته خديجة رضي الله عنها بقولها: «والله لا يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق».

ومن هنا، يتّسع مفهوم الإحسان ليشمل تفاصيل حياتنا اليومية، فنَتَفَقَّد الجميع، وبخاصة أقاربنا وأهلينا، ونكون لهم عوناً وسنداً، وأن نكون بين الناس عنوانًا للخير في الرخاء والشدة. فهذا هو أصل المسلم؛ ألا يرضى بالدون، بل يسعى للارتقاء، ليبلغ أعلى مراتب الإحسان في جميع شؤون حياته.

وإذا انتقلنا إلى ميدان العمل، فإن الإحسان يتجلى بصورة عملية واضحة في بيئاتنا الإدارية ومؤسساتنا المختلفة. فهذا المفهوم يظهر جلياً في النفوس الصادقة المخلصة لله عز وجل؛ حين ترى الإنسان حاضراً في الصفوف الأولى في مختلف الظروف، يبادر ويقترح، ويعمل لساعات طويلة دون تذمر أو سخط، ويعرض نفسه ليكون عوناً للآخرين، ويرسم البسمة على شفاههم، ويترك أثراً ملموساً في حياتهم؛ فهو لا يرضى بأن يكون مجرد اسم على الهامش، بل يسعى ليصنع أثراً دائماً يشهد له القريب والبعيد، ويخلّف إرثاً لا ينقطع.

ومع الأسف، قد يتباين البعض في فهم هذا المفهوم؛ فيربط ساعات عمله بالمال فقط، أو ينظر إلى منصبه وكأنه ملك خاص له، أو يأنف من النزول إلى مستوى الآخرين والتعاون معهم بدافع حب الراحة. ومن المؤلم أن تضيع ساعات العمل لدى بعضهم دون إحسان في أداء الواجبات والمهام على الوجه المطلوب، أو دون تقديم فكرة أو مبادرة، أو حتى التفكير الجاد في تحسين الأداء، والإحسان إلى العمل الذي يتقاضى عليه أجراً؛ فكل ساعة لها قيمتها وأثرها.

وإذا تأملنا واقعنا، نجد أن الأزمات هي المحك الحقيقي الذي يُظهر معادن الناس. فقد كشفت الأزمات التي مرت بها البحرين الحبيبة عن المخلصين وأصحاب الشيم، الذين يبادرون منذ اللحظات الأولى، ويكونون في الميدان قبل أن يُطلبوا، ويثبتون أنهم أهل خير وأصالة وطنية. وقد عبّر سمو الشيخ ناصر بن حمد آل خليفة بكلمات مؤثرة انتشرت عبر وسائل التواصل، قال فيها: «اليوم قلبك على بلادك، بلادك بتشيلك شيل مع قيادتها، وإذا قلبك مو على بلادك دور لك بلاد تشيل أشكالك. اليوم البحرين للي يحب البحرين، البحريني إلي قلبه على البحرين وعلى قيادته وناسه وبيته وسمعته، وإذا إحنا واصلنا على هذه الجهود، بنسهل الصعاب. ونبشركم إن البحرين قوية، أثبتت للعالم أن البحرين مو بحجمها».

وهنا يتجلى الإحسان في أسمى صوره، حين يرتبط بالوطن؛ بأن يكون ولاؤك صادقاً، وعطاؤك مستمراً، وأن تكون فرداً منتجاً، معطاءً، مخلصاً، حاضراً في ميادينه كافة، مستجيبًا لنداءاته. فالإحسان للوطن ليس كلمات تُقال، بل عطاء ممتد، وأثر ملموس، وتضحية بالجهد والوقت، وإنتاجٌ متميز.

وعندما نتحدث عن جودة العمل، وجودة الأداء، والإحسان في مختلف جوانب الحياة، فإنها جميعاً تصبّ في معنى واحد، وهو الإتقان. وقد قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه». ولعل من أبلغ الصور التي تجسّد هذا المفهوم، ما رأيته في موقف لإحدى الموظفات في تلفزيون البحرين، حيث كانت تُشرف على إتمام لقطات تصوير لعمل معين مع فريقها، وفي الوقت ذاته كان ينتظرها تكريم تقديراً لجهودها. لكنها آثرت إتمام العمل مع فريقها حتى يخرج بالصورة المطلوبة، مراعاةً لمشاعرهم، وإحساناً إليهم، ولإنجاز العمل، ثم التحقت لاحقاً بحفل التكريم في نهايته، ونالت شرف التقدير.

ومثل هذه المواقف كثيرة، خاصة في أوقات الأزمات، لدى رجال الأمن والدفاع، ورجال الإطفاء، وأفراد الأجهزة الإعلامية، الذين يقضون ساعات طويلة في مواقع عملهم، وقد يبتعد بعضهم عن أسرهم، من أجل إيصال صوت البحرين إلى العالم، مؤكدين أن البحرين قوية بأهلها المخلصين. يبقى الإحسان هو القاسم المشترك الذي يجمع بين صلاح الفرد، وتماسك المجتمع، وقوة الوطن.ومضة أمللا تنسَ أن تُحسن في محبتك لمن أحبك بصدق؛ فهم من يبقون معك في نهاية المطاف.