في الأزمات، عند تزايد التهديدات، وعند تعقد الأمور، تتجلى حقيقة القيادة في الميدان. هنا تحديداً، ستجد الفارق الواضح، بين من يقود بالمنصب، وبين من يقود بالحضور المجلجل ويصنع النماذج القوية المؤثرة.

خلال الأيام العصيبة التي عشناها، رأينا قائدنا ووالدنا والرمز الأول في الوطن، جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم حفظه الله ورعاه، رأيناه يتحرك أكثر من أي مسؤول في موقعه، مع الاحترام الشديد لكل مسؤول عمل وتعب وسهر واجتهد، لكنني هنا أتحدث عن ملك كان لا يهدأ، لأن البحرين التي أقسم على صونها وحفظ أهلها، كانت تُستهدف. ملك أقسم بأنه «ابن لعيسى وحافظ لعهده».

حضور ملكنا الغالي يؤثر فينا دائماً بقوة، جلالته كان ومازال نموذجاً حياً لقيادة موجودة بين الناس. قائدٌ يعرف أن القيادة ليست فقط بإصدار التوجيهات، ورسم السياسات، بل نزل جلالته بنفسه إلى الميدان. يتحرك، يتابع، يطمئن شعبه، وليثبت بأن القيادة الحقيقية مكانها مع الناس في أصعب اللحظات، وهذا ديدن «حمد بن عيسى».

خرج رمز الوطن إلى الميدان، رأيناه في كل مكان وموقع، في اجتماعاته اليومية، وتصريحاته الدائمة القوية، رأيناه يزور المستشفيات، ويقف على أسرّة الجرحى من أبناء قوة دفاع البحرين الأبطال. وهنا استوعبنا رسالة عميقة الأثر. رسالة تقول إن هذا الوطن لا يترك أبناءه، وأن من يقف في الصفوف الأمامية دفاعاً عنه، يجد خلفه قيادة تسنده قلباً وقالباً، يجد معه دائماً، في مقام أول، الملك حمد بنفسه.

اللغة التي استخدمها جلالة الملك في تلك اللقاءات، كانت نموذجاً يُدرس للقيادات ولماسكي المناصب والمسؤوليات. كانت لغة الأب، المليئة بالاحتواء والاهتمام، كانت لغة قائد يتحرك بمسؤولية، يعرف تماماً أن كلامه يحرك براكين الوطنية الراكدة في القلوب، كلام يستفز الوطنية بداخلك، لتظهر معدنك الأصيل الملتصق مع وطنك.

هذا النوع من التواصل يُدرّس، تواصل ينبع من إحساس صادق بالمسؤولية والانتماء. وحين يقول جلالة الملك لأحد الجنود المصابين «ضحيت بنفسك لأجل بلادك، نبيك دائماً معانا»، ويردّ الجندي البطل بأن هذا شيء «مؤكد»، أنت هنا ترى ملحمة أب وأبناء، ملك يعبّر عن امتنانه وتقديره، وأبناء يردّون بما يؤكد أن هذا القائد يمثّل لهم الأمان والطمأنينة.

ما مررنا به أكد أن الثبات الوطني بقدر ما يُبنى بالقدرات العسكرية والخطط الأمنية، هو أيضاً يُبنى بالثقة. وهنا الثقة تُكتسب من خلال المواقف الصادقة، وما أعظم بناء الثقة، حين يرى المواطن قائده يتحرّك معه، ويشاركه الثبات، ويمنحه كل الدعم.

في اللحظات العصيبة، وخلال مشاعر القلق والتوتر، يبحث الناس عمّن يثبتهم، عمّن يمنحهم شعور الثقة وسط الصعاب. وهنا، كان حضور جلالة الملك العامل الحاسم في تعزيز هذا الشعور. حضور مهيب يُعيد ترتيب المشهد النفسي للمجتمع، ويؤكد وقوف الدولة بكل قيادتها ومؤسساتها مع الشعب المخلص صفاً واحداً.

هذا نهج قيادي عرفنا به حمد بن عيسى. فيه درس بليغ يتكرر، بأن القائد الحقيقي هو أول الحاضرين في الأزمات، وآخر من يهدأ ويرتاح بعد زوالها. وأن قوة الدولة تقاس بقرب القيادة من شعبها.

هذا نهج يرسّخ معادلتنا الأصيلة الثابتة، قيادة قوية في الميدان، وشعب مخلص يزداد ثباتاً.