ستنتهي هذه الغمّة.. إن آجلاً أم عاجلاً.. هذه ليست مجرد عبارة تُقال للتخفيف، بل هو يقين يسكن قلب كل من عرف هذه الأرض واختبر طبيعة أهلها.. سنخرج منها -كما خرجنا من كل محنة- منتصرين بإذن الله، أكثر وعياً، أعمق إيماناً، وأكثر حباً وعشقاً وولاءً لهذا الوطن الذي لا نختبر إلا لنزداد رسوخاً فيه وليشتد رسوخاً فينا.

لكن السؤال الذي يوجّهه لنا من تعوّد الطعن فينا:

انتصرتم على من؟

وهل كانت هذه الحرب حربكم أصلاً؟

في الحقيقة.. لم تكن حربنا.. لم نردها، ولم نسعَ إليها، ولم تكن خيارنا يوماً.

غير أننا حين زُجَّ بنا فيها زجاً، واعتُدي علينا، وحين مُسَّت أرضنا وطمأنينتنا، لم يكن أمامنا إلا أن نكون على قدر البحرين، على قدر تاريخها، وعلى قدر الإنسان الذي يعيش فيها.

لقد كان أوائل المدافعين من قوة دفاع البحرين ووزارة الداخلية والحرس الوطني - لقد كانوا بحق العين الساهرة، والسدّ المنيع الذي وقف في وجه كل تهديد، والرجال الذين افتدوا هذه الأرض وأهلها.

لقد كانت صفوفنا الأولى أيضاً كل مواطن شريف، لم يقبل أن يُمسّ شبر واحد من وطنه، وكان كل صاروخ أو مسيّرة يمسّ قلبه وروحه قبل أن يلمس أرضَ أو بحرَ أو هواءَ بلده.

كانت صفوفنا الأولى.. المعلم، الذي لم ينتظر ظرفاً مثالياً، بل وقف وصمد، وتحول تلقائياً إلى التعليم عن بُعد، لأن مفهوم الأمن في البحرين لا يقتصر على حماية الحدود، بل يمتد ليشمل استمرار الحياة واستمرار العملية التعليمية تحت أي ظرف.

وكانت صفوفنا الأولى، الأطباء والممرضون وكافة العاملين في القطاع الصحي، الذين لم يكونوا مجرد مقدمي خدمة، بل محاربين في الميدان، يحمون الحياة، ويواجهون القلق، ويثبتون أن الرحمة قوة لا تقلّ عن أي سلاح.

وكانت صفوفنا الأولى.. رجال الدفاع المدني، الذين ما اشتعلت ناراً إلا أطفؤوها، بقوة الله، ثم بإيمانهم بأن هذا الوطن أمانة في أعناقهم.

وكانت صفوفنا الأولى.. الإعلاميون، الذين وقفوا وقفة رجل واحد لدحر الاعتداء الغاشم بالكلمة والموقف والقلم الحر..

وكانت صفوفنا الأولى الأمهات في البيوت، أولئك الجنود الصامتون، اللواتي سهرن على وقع القلق، واحتضنَّ خوف أطفالهن، ثم استيقظن في الصباح ليواصلن الحياة بقوة وثبات.. لأنهن يعرفن أن الوطن يبدأ من البيت.

بل كانت صفوفنا الأولى.. كل من استمر، كل من صمد، كل من رفض أن يسمح للخوف أن يعيد تشكيل حياته.

فمن انتصرنا عليه إذن؟ لم يكن عدواً تقليدياً فحسب.. لقد انتصرنا على ما هو أعمق.. انتصرنا على الخوف.. في بلد اعتاد الأمن والأمان. انتصرنا على الارتباك الأول، حين واجهنا وضعاً لم نعهده من قبل. انتصرنا على القلق الذي حاول أن يتسلل إلى تفاصيل أيامنا. انتصرنا على الشك، وعلى التفرّق، وعلى فكرة أن الاستقرار يمكن أن يُكسر بسهولة.

وانتصرنا أيضاً على اللامبالاة، حين أصبح كل فرد يشعر أنه جزء من المسؤولية، حتى وإن لم يحمل سلاحاً.

في البحرين، لم تكن «الصفوف الأولى» مجرد موقع؛ بل كانت حالة وطنية شاملة.

هي الطالب الذي واصل تعليمه، والموظف الذي استمر في عمله، والأب الذي أخفى خوفه ليمنح أسرته طمأنينة، وكل إنسان قال في داخله:

«هذا الوطن لي؛ ولن أتركه للخوف».

لقد اكتشفنا -وربما لأول مرة بهذا العمق- أن قوة البحرين لا تكمن فقط في مؤسساتها، بل في إنسانها.. في هذا التماسك الصامت، في هذا الإيمان الذي لا يحتاج إلى إعلان، وفي هذا الحب الذي لا يُقاس بالكلمات. وعندما تنقشع الغمّة، سنلتفت خلفنا، لنقول بثقة وهدوء: لم نعبرها فقط.. بل خرجنا منها أكثر عشقاً لتراب هذه الأرض.

وهنا، لن يكون السؤال: «ماذا حدث؟»

بل: كيف بقينا رغم كل شيء، واقفين؟