لم يعد مفهوم «المسؤولية الاجتماعية» مجرد ترف فكري أو بنود تجميلية في التقارير السنوية، بل تحول إلى ركيزة أساسية لاستدامة الاقتصاد الوطني. وفي مملكة البحرين، يخطو مصرف البحرين المركزي خطوات حثيثة عبر إلزام الشركات المرخصة بتقديم تقارير سنوية حول الحوكمة والاستدامة (ESG). ومع أهمية هذه الأطر التنظيمية، إلا أن الظروف الاستثنائية التي مر بها العالم والمنطقة تثبت أن المسؤولية الحقيقية تكمن في «الأثر الملموس» على الأرض.

ربما يكون من المناسب إنشاء «سجل وطني للمساهمات المجتمعية»؛ ليكون مرجعاً يوثق كيف وقفت الشركات مع مجتمعها. فالمبادرات التي شهدناها في السنوات الأخيرة لم تكن مجرد تبرعات نقدية، بل كانت قرارات استراتيجية شجاعة، ومبادرات مثل دعم العاملين في الصفوف الأمامية، وغيرها. حتى أن «تأجيل القروض» لعب دوراً محورياً في حماية الأفراد والمؤسسات الصغيرة من الانهيار، مما ساعد الجميع على الصمود في وجه العواصف الاقتصادية.

لكن المفهوم الأعمق للمسؤولية الاجتماعية يبدأ من «الداخل». إن صاحب العمل الذي يواصل الليل بالنهار، ويعمل ساعات إضافية مجهدة لضمان بقاء شركتـه في السوق وتجنب الخروج منه، هو في الحقيقة يمارس أعلى درجات المسؤولية الوطنية. بقاء الشركة يعني الحفاظ على أرزاق الموظفين وعائلاتهم، واستمرار تدفق الالتزامات للموردين، وضمان دوران عجلة الأعمال في المجتمع.

إن الحفاظ على الوظائف في الأوقات الصعبة هو جهد وطني مشكور، لا يقل أهمية عن بناء المدارس أو رعاية الفعاليات. فالمجتمع القوي هو نتاج قطاع خاص متماسك يشعر أصحابه بأن استقرارهم من استقرار الوطن.أعتقد أن الانتقال من «الالتزام بالتقارير» إلى «الاعتزاز بالمساهمة» هو ما نحتاجه. السجل الوطني المقترح لن يكون أداة للرقابة، بل لوحة شرف توثق كيف ساهمت الشركات -بقراراتها الكبيرة وصمود أصحابها- في تشكيل شبكة الأمان التي تحمي الاقتصاد البحريني. فالمسؤولية الاجتماعية ليست مجرد بند مالي، بل هي عهد بالاستمرار من أجل الجميع.