خلال الفترة الأخيرة التي شهدنا فيها الاعتداءات الإيرانية الآثمة على مملكتنا الغالية، أطل علينا في معظم الأخبار موضوع استخدام الذكاء الاصطناعي في كل شيء وصولاً إلى الصواريخ والمسيّرات وحتى وسائل الدفاع وكشف الأهداف بسرعة قبل وصولها، ولهذا يبقى الذكاء الاصطناعي محور الحديث في كل طارئة تحدث لنا.. لكن هل هو مفيد؟ وهل له تبعات أو سلبيات أخرى؟

فلقد كان الهاجس الأكبر من الذكاء الاصطناعي هو تأثيره على الوظائف، والذي حذّرت منه أبحاث كثيرة، فبحسب غولدمان ساكس يُتوقع تهجير 300 مليون وظيفة على مستوى العالم خلال العقد المقبل، وأشارت نماذج ماكينزي إلى أن التقنيات الحالية قادرة على أتمتة 57% من ساعات العمل، وتحاول منظمة العمل الدولية طمأنة العمال بأن خطر الذكاء الاصطناعي «محدود»، مقابل فرص هائلة لتحسين الوظائف لكن لايزال الخوف هو المسيطر.

ولقد شهدنا تطبيقات عملية للتأثير السلبي للذكاء الاصطناعي على الوظائف، عندما قامت شركة أمازون بتسريح أكثر من 70 ألف موظف خلال 3 سنوات ونصف، وقلدتها مايكروسوفت بتسريح 15.4 ألف موظف، وأوراكل بعشرة آلاف موظف، وهو ما يرفع معدلات الخوف من المستقبل لدى العمال بجميع أنحاء العالم.

ودفع اجتياح الذكاء الاصطناعي النقابات الأمريكية إلى تنظيم جهودها لحماية الموظفين المهدّدين بفقدان وظائفهم، ودافعت نقابة سائقي الشاحنات عن مشروع قانون يحظر تشغيل الشاحنات الذاتية القيادة، وهناك عشرات الأمثلة النقابية والعمالية، لكن لا أستطيع رصدها جميعاً، إلا أنها موجودة بالفعل في بلدان كثيرة.

لكن بالعودة إلى بلدنا الحبيب وقيادته الوطنية، نجدهم قد أخذوا الأمر على محمل الجد العملي، ولم تتوقف مملكة البحرين عند المؤشرات والأرقام والتوقعات والدراسات، بل كانت مملكتنا سبّاقة في إيجاد حلول «استباقية» للمعضلة ووقاية خير من علاج المرض، وذلك عبر «الاستثمار في المهارات الوطنية»، وعلى عكس النمط العالمي الذي يركّز على تسريح العمال، نجد البحرين تتبنّى خططاً استباقية لرفع مهارات القوى العاملة، مما يجعلها نموذجاً متميزاً في المنطقة.

وأنا أتحدث عن المبادرة الطموحة لصندوق العمل «تمكين» لتدريب 50 ألف بحريني ضمن برنامج وطني لمهارات الذكاء الاصطناعي، وهي مبادرة تمتد حتى عام 2030، وتمثل أكبر استثمار من نوعه في منطقة الخليج العربي والشرق الأوسط.

لم يقف صندوق العمل «تمكين» عند اللحظة بل سعى بجهود وطنية مخلصة لإقرار سياسة وطنية للذكاء الاصطناعي، وبدأت السلطة التشريعية أيضاً في تحمّل المسؤولية الوطنية ووضع الأطر الأخلاقية لاستخداماته وفق قوانين وطنية.

ولقد أظهر تقرير حديث لتمكين عن الوظائف الناشئة في القطاع، أن أكثرها طلباً هي وظائف خبراء الذكاء الاصطناعي والتعلّم الآلي، وعلماء البحث والتطوير، ومهندسي المواد، وأخصائيي التحول الرقمي، ولذلك لم تكن المشكلة في عدد الوظائف المفقودة، بل في نوعية الوظائف وإمكانية التحوّل والمرونة الكبيرة التي تقدّمها الدولة لأبنائها، واستباق المشكلة بإيجاد حلول سريعة وناجعة، ولذلك عمد «تمكين» إلى «رفع المهارات والتمكين» ووضع البحرين في طليعة الدول المستعدة لعصر الذكاء الاصطناعي وفق سياسات حكيمة نشكر القائمين عليها كلٌّ في موقعه.

لفتة أخيرة وخاتمة يجب أن أنوّه بها وهي تخصّ مركز ناصر العلمي والتقني الذي يعمل بصمت منذ نشأته بمرسوم ملكي سامٍ على مسار تعليم فني وصناعي متخصّص عالي الجودة، ويركز على مواءمة مخرجاته التعليمية مع متطلبات سوق العمل في المعرفة والمهارات والقيم، وإنتاج محترفين قادرين على المنافسة في المجالات الصناعية والفنية.

المركز الطموح بدأ يركّز على الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية والأمن السيبراني إلى جانب التدريب المهني، ونحن نطمح في القريب العاجل أن نراه في هيئة مدينة علمية شاملة.