أخطر ما يواجهه الوطن والمجتمع في وقت الأزمات والكوارث والاستهدافات والعداء الخارجي، هو ظهور بعض الأصوات التي تحاول خلط الأوراق؛ ليس بدافع الجهل، بل بدافع التبرير المتعمد والمقصود.

هذا سلوك يأتي عبر تعمد تصوير وطرح شخصيات سياسية أو قيادات مرتبطة بمشاريع عدائية على أنها «رموز مقدسة»، وكأن مجرد اقترانها بغطاء ديني يمنحها حصانة مطلقة من النقد والمساءلة، بل يمنحها حق التحريض واللعب بعقول البشر، وهنا تكمن الخطورة.

الدول تُصان بالوعي والوضوح في تحديد من هو الصديق ومن هو المخترق ومن هو العدو. وعندما يخرج أي طرف -كائناً من كان- ليحرّض على الإضرار بالبحرين بلادنا وبأشقائنا دول الخليج العربي، أو يسعى إلى زعزعة أمنها واستقرارها، هو يضع نفسه مباشرة في خانة الخصومة السياسية والأمنية والعداء الصريح، لا في خانة الرمزية أو القداسة.

أخطر ما يمكن أن تواجهه المجتمعات بموازاة الهجوم المباشر بالصواريخ والمسيرات والقنابل، هو هذا الهجوم الذي تحركه النوايا، هجوم يُبث بصوت فحيح سقيم النوايا، مغلّف بخطاب ديني، هدفه منح شرعية زائفة عند الذين يسهل اختراقهم، ولأجل أن يصدقه مغيبو الإرادة.

استخدام الدين كدرع لتبرير العدوان أو التحريض، تضليل مزدوج، تضليل للعقل، وتلاعب بمشاعر ونفسيات البشر.

هو أيضاً سعي ماكر وخبيث لتحويل القضايا الوطنية الحقة، إلى قضايا «محرّمة النقاش» سواء على المخلصين، أو أولئك الباحثين عن الحقيقة، الساعين لتنظيف عقولهم وتحرير إرادتهم.

في المقابل يمنح «بائعو إراداتهم»، يمنحون أصحاب «هذا المكر» حصانة وهمية تعيق أي مساءلة حقيقية، أو دحض واقعي لما يدعون ويقولون ويبثون من سموم.

الحقيقة التي يجب ترسيخها بقوة، هي أن الدين بريء من هذه التوظيفات، وهذا الاستغلال المريض.

ديننا، في ظاهره وجوهره، يدعو إلى السلم والاستقرار وصون الأرواح والمجتمعات، وتنوير المجتمع، لا إلى التحريض على الفوضى أو تقويض الدول عبر «اختطاف» إرادة المجتمع.

هنا عندما يتم استغلال الدين لخدمة أجندات سياسية وأطماع عدائية، ليست أمامنا أية «قداسة»، بل أمامنا توظيف خطير «تعمى» فيه العيون و«تغيّب» فيه العقول، بالتالي يجب كشفه ومواجهته.

لا يوجد «خيار» في الدفاع عن الوطن؛ لأنه واجب لا يقبل التردد أو التبرير أصلاً. وهنا أتحدث عن المخلصين لوطنهم مهما يرون داخله من أمور وتجاذبات وحراك يتفقون معه أو ينتقدونه، لكنهم لا يقلبهم على إخلاصهم لتراب أوطانهم، أو القبول ببيعه للعدو والعميل.

وبناء عليه، الرد على أي خطاب يستهدف أمن دولنا، مهما كان مصدره أو الغطاء الذي يتدثر به، هو جزء من هذا الواجب. وهذه ممارسة طبيعية لحق مشروع في حماية الاستقرار وصون السيادة.

هنا الخطاب يجب أن يكون واضحاً وصريحاً ومباشراً، يجب أن يكون خطاباً وطنياً لا «يترنح» أو «يتلون» أو أن يكون «زئبقي» الشكل.

وعليه، لا أحد فوق النقد إذا تعلّق الأمر بأمن الأوطان.

ولا يمكن القبول بأية محاولة لتمرير مشاريع عدائية تحت غطاء ديني أو رمزي.

أوطاننا ليست ساحة للتجارب، ولا منصات لتنفيذ أجندات مريضة، تخدم أطماعاً عدائية. أوطاننا كيانات يجب أن تُحمى بكل وعي وحزم وقوة.

وهنا يأتي السؤال المفصلي، إذ لماذا نكرر دائماً كلمة «الوعي»؟!

«الوعي»، وضيفوا عليه صفة «الوطني»، هو خط الدفاع الأول. هو ما يدفع المواطن المخلص لتراب أرضه لإدراك «الحقيقة الوطنية الثابتة»، بأن التقديس لا يمكن أن يتحول إلى حصانة سياسية، وأن الدين لا يجب استخدامه لتبرير العدوان، وأن «تجاره» لا يحق لهم استغلاله للتغرير بالناس والزج بهم في أتون الخيانة والعداء والعمالة ضد أوطانهم.

وفي النهاية تذكروا، بأن هؤلاء دائماً، هم من يقولون «فعلاً، لا قولاً» لمن يغررون به: «اذهب أنت وربك فقاتلا، إنا هاهنا قاعدون».