أمن دول مجلس التعاون الداخلي سيكون رهناً بالقرارات التي سنتخذها تجاه أدوات القتل الإيرانية التي قُبض عليها في البحرين والكويت والإمارات.

القرارات لابد أن تكون على أعلى درجة من التنسيق والعمل المشترك، فقوتنا تجاه هذا المُهدِّد الخطير لأمننا ستتجسد في وحدة موقفنا. لم يعد هناك حاجة أو فرصة لتكرار محاولات الاحتواء السابقة.

بعد إلقاء القبض على أكثر من خلية في البحرين والكويت والإمارات تابعة للحرس الثوري الإيراني، واكتشاف أن العديد منها كان قد قُبض عليه سابقاً والعفو عنه ثبت أن سياسة الاحتواء سياسة غير مجدية ولابد من مواجهة لا تخشى ولا تحذر ولا تتردد، فليس بعد الوصول إلى هذه المرحلة درجة أخرى يمكن السكوت عنها.

إذا كان المجتمع الدولي برمّته اقتنع أن سياسة احتواء النظام الإيراني غير مجدية، ولن تردعه عمّا يخطط له مهما كانت الحوافز التي تُقدّم له، فلن يرتدع إلا بعد أن يُجرَّد من جميع أدواته الخطرة، التخصيب والصواريخ والميليشيات.

فلابد لدولنا الخليجية أن تقتنع أن موالي هذا النظام من مواطنيها لن تنفع معهم سياسة الاحتواء السابقة ولابد من معالجة خليجية جذرية لخطورتهم؛ فلا ترخي دولة الحبل وتكون طوق نجاة لهذه الخلايا وأعضائها.

سابقاً حاولت الدول الأوروبية احتواء النظام الإيراني اتقاءً لشره ومحاولة للتكسّب في انتهازية خطيرة هدّدت الأمن الدولي كله نتيجة السذاجة التي ظنّت أن هذا نظام يمكن احتواؤه.

وبسبب التردّد العالمي تجاه مواجهتها وتفضيل سياسة الاحتواء طوال الأربعين عاماً الماضية، استطاعت إيران أن تصل بالتخصيب إلى تجاوز الحد المسموح به دولياً، وبنت ترسانة باليستية تحت الأرض، وأعدّت لها العدّة لمواجهة جميع الاحتمالات، ترسانة فاقت تصورات كل أجهزة الاستخبارات التي اخترقتها، ومنحتها تلك السياسة الوقت الكافي لإعداد شبكة كبيرة من الخلايا النائمة كانت تنتظر انطلاق صفارة التفعيل.

فضّلت دولنا العربية، ومنها دولنا الخليجية، انتهاج سياسية الاحتواء، هي الأخرى مع من تقبض عليه متلبّساً منذ أربعين عاماً، وكانت النتيجة أن دولنا الخليجية منحت تلك الجماعات الموالية الوقت والإمكانيات لتمدّ نفوذ ميليشياتها إلى أربع عواصم، ووضعت يدها على منفَذَين مائيَين دوليَين هامَّين بفضل ميليشياتها، وهدّدت بغلقهما وقت الحاجة لتُهدّد الاقتصاد العالمي برمّته.

منذ الثمانينات والدول العربية ودولنا الخليجية تحديداً تقبض على شبكات وخلايا تشكّلت إثر تصدير الثورة، وتقبض معهم السلاح والمتفجرات، وآثرت رغم خطورة ما يتمّ الكشف عنه احتواء أعضاء تلك الخلايا اعتقاداً منها أنها تُبدي حُسن النوايا وتتجنّب أي اصطدام طائفي، وقتها لم تختطف الطائفة بعد ولم يتمدّد نفوذ تلك الجماعة، والنتيجة كانت عكسية تماماً على غير ما ظنّت الدول، النتيجة أن الجماعة هي من احتوت الطائفة، هي من سيطرت وهيمنت عليها، عفت الدولة عنها لمرات ومرات، عل وعسى تحتويها، تساهلت مع تمدّد سطوتها ونفوذها عل وعسى حُسن النية يحتويها، وصلت للبرلمانات ووصلت للسلطة التنفيذية، بل وصلت في بعض الدول لرئاسة الوزراء، كما هو الحال في العراق، وكان ذلك بدعم أمريكي.

وضعت تلك الجماعة يدها في يده، وهي التي تستنكر ذلك اليوم على الأطراف الأخرى أن تقوم به، كل ذلك على وعسى أن تحتوي الكتلة السنية الأكبر في العُمق الاستراتيجي العربي الطائفة الشيعية تحت ظل راية الدولة الوطنية الواحدة، فلا يحدث انشقاق أو احتراب لا سمح الله، خاصة وأن سياسة الاحتواء كانت نصيحة غربية!!

وبالرغم من كل المكاسب التي نالتها الأذرع الإيرانية بسبب سياسة الاحتواء، إلا أن هدفها لم يكن الحصول على المكتسبات ولا إسكات استغاثة الاضطهاد المصطنعة، كان الهدف مُعدّاً منذ اليوم الأول للتجنيد واضحاً بالنسبة لها، وهو العمل على إسقاط الدول العربية لتمهيد الأرضية لإيران كي تدخل دون مقاومة، لذلك لم تنظر لأيٍّ من المكتسبات الوطنية التي تمتّعت بها.

ونصل إلى ما نحن عليه اليوم وأمامنا مجموعة تعمل كالروبوتات لا ينفع معها إقناع أو احتواء أو استرضاء أو أيٌّ مما استنفذ منا وقتاً وجهداً وأفقدنا أمناً.

فإن اقتنعت الدول الخليجية أن سياسة الاحتواء غير مجدية، وأنها آمنت أخيراً أنها سياسة غير ناجحة، وأنها لا تنتمي لنا ولا لدولنا ولم تحقق لنا أمناً، وأن عدم نجاحها يمتد لجميع محاولات الاحتواء التي طبقتها الإدارات الأمريكية السابقة مع إيران، حتى اكتشفت أنها نجحت فقط في منح الفرصة للنظام كي يتمكّن، ونحن منحناهم الفرصة حتى تغلغلوا.

أنظار الشعوب الخليجية لحكوماتها، هل سيكون هناك وحدة موقف تجاه هذه الشبكة الواحدة وتجاه كل من استهان بكرامتنا وأمننا؟ أم أن هناك من سيقنعنا بتكرار سياسة الاحتواء غير المجدية؟