أحمد جعفر

لا تزال المنطقة تعيش في مشهد رمادي يتمثل في حالة من «اللا سلم واللا حرب» بين الولايات المتحدة وإيران.هذا الوضع الجديد يأتي بعد فشل انعقاد جولة ثانية من المحادثات في إسلام آباد مع إصرار طهران على تراجع واشنطن عن حصارها البحري، وتمسك الولايات المتحدة هي الأخرى بتواجدها العسكري في بحر العرب ومطالبها الأساسية على طاولة المفاوضات.

بالنسبة لإيران، فإن بقاء النظام يمثل أولوية قصوى بأي ثمن كان؛ ولذلك فإن الوصول لهذا الهدف بعد حرب الأربعين يوماً يتم تسويقه داخلياً على أنه «نصر إلهي» يجعل من البلاد تتمسك بشروطها، في ظل استمرار سلوكها المزعزع للاستقرار بضرب حركة الملاحة البحرية في مضيق هرمز.

الولايات المتحدة، بدورها، ترى أن الدولة الإيرانية تعرضت لضربات قاصمة بقتل القيادات وتدمير معظم القدرات العسكرية وضرب المصانع والمنشآت ذات الاستخدام المزدوج، مع انهيار الاقتصاد؛ لذلك ترغب في البحث عن صفقة قوية لإنهاء الحرب، أفضل من تلك التي أبرمتها طهران مع إدارة أوباما العام 2015.

إن قرار تمديد الهدنة لأجل غير مسمى يعكس رغبة أمريكية في عدم العودة للحملة العسكرية وتفضيل مسار الضغط الاقتصادي عبر الحصار البحري على الموانئ الإيرانية، مما يزيد من شعور الإلحاح على طهران لإبرام اتفاق وفق الشروط الأمريكية.

لكن عدم ذهاب الوفد الإيراني إلى إسلام آباد يعكس حالة الانقسامات العميقة بين تيار متشدد ذو نزعة براغماتية وآخر أكثر تطرفاً لا يجيد لغة الحوار والتفاهمات، خصوصاً مع واشنطن.

هذا المشهد الدقيق والمعقد قد يضع المنطقة في مرحلة يسعى فيها كل طرف لاستنزاف الآخر دون العودة للحرب بمعناها التقليدي.

بالنسبة لترامب، فإنه يبحث عن حل سريع يضع الاقتصاد العالمي على مسار التعافي، فضلاً عن النظر للانتخابات النصفية في نوفمبر، التي يسعى من خلالها للحفاظ على أغلبيته الجمهورية داخل الكونغرس.

وفي مواجهة التصعيد، اختارت واشنطن التأجيل حالياً، مما قد يفتح المجال لخفض التصعيد التدريجي من جانبها، مع منح إسرائيل هامش حرية محسوب لشن عمليات جراحية داخل طهران متى ما اقتضت الحاجة.

في الطرف المقابل، تجيد إيران لعبة الوقت وتستثمرها كأداة استراتيجية، حتى على حساب ظروف شعبها المزرية، وهو ما يفسر تمسكها بشروطها رغم الضغوط العسكرية والاقتصادية.

وعلى الرغم من أنها تسعى إلى رفع العقوبات عنها، حيث ينظر بعض الفاعلين فيها إلى هذه المفاوضات كفرصة لإيجاد شريان حياة مالي يبقي النظام الديني، فإن تقديم طهران لتنازلات جوهرية يؤثر بشكل مباشر على الهوية الآيديولوجية التي رسمتها لنفسها منذ 47 عاماً.

وبين هذا وذاك، فإنه لا يوجد حل مثالي لهذه المعادلة يخرج المنطقة من شبح الحرب التي دفع العالم بأسره ثمنها.وهذا يجعل من المنطقة لا تتجه نحو تسوية شاملة بقدر ما يمكن تسميته عملية استنزاف طويلة، حيث يصبح الزمن نفسه سلاحاً بيد الطرفين.