تُقرأ الحرب في الخليج العربي من طبقة عميقة تتحرك تحت سطح المشهد، وتتجاوز أصوات الصواريخ وبيانات العواصم الكبرى، إذ تبدأ هذه الطبقة من الوساطة حين تتحول إلى هدف قائم بذاته، ثم تمر عبر المضائق والموانئ والمطارات، وتستقر في النهاية داخل الموازنة العامة، والأسواق، وأسعار التأمين، وتفاصيل الحياة اليومية للناس، وعند هذه النقطة تتضح الصورة أكثر.

فنحن أمام انتقال واضح لأدوات الصراع، من المواجهة المباشرة إلى ضغط واسع النطاق يطال الوسطاء والبنية المدنية والاقتصاد معاً.

تقف المنطقة اليوم أمام نمط جديد من الصراع، يستخدم الجغرافيا السياسية أداة ضغط فاعلة، ويحوّل الوسيط من جسر للحل إلى طرف واقع تحت التهديد.

فاستهداف إسرائيل وفداً تفاوضياً تابعاً لحماس في الدوحة خلال سبتمبر 2025 حمل دلالة تتجاوز حدود العملية الأمنية، إذ وجّه رسالة مباشرة إلى الوسيط نفسه، وفتح باباً خطيراً نحو توسيع دائرة الاشتباك لتشمل من يحاول إطفاء الحريق.

وبهذا المعنى تصبح الوساطة مهمة محفوفة بالمخاطر، وتتحول الدولة التي راكمت ثقة الأطراف إلى مساحة مفتوحة للابتزاز السياسي والأمني.

يعود هذا المعنى اليوم بصورة متجددة مع تزايد الحديث عن ضغوط إيرانية محتملة على دول تمارس عادة أدوار الوساطة، بالتزامن مع تقدم باكستان إلى الواجهة عبر تحركاتها المكوكية بين واشنطن وطهران وعواصم المنطقة؛ إذ تحاول الدبلوماسية الباكستانية، وفق مساراتها الأخيرة، تحويل الهدنة إلى مسار تفاوضي أوسع، وتضييق الفجوات بين الطرفين في ملفات شائكة تمتد من البرنامج النووي إلى أمن مضيق هرمز.

ومع ذلك، فإن اتساع دور الوسيط يجعله أكثر حضوراً في المعادلة، وأكثر عرضة لضغوط الأطراف التي تريد اتفاقاً على مقاسها، أو تسعى إلى تعطيل أي مسار يربك حساباتها.

وتتأكد هنا حاجة الوساطة في زمن الحرب إلى حماية سياسية توازي في أهميتها حماية الحدود الوطنية. فالوسيط الذي يستشعر إمكانية استهدافه يفقد جزءاً من قدرته على الحركة، ويجد نفسه محاصراً بين المحافظة على توازنه وسط العاصفة، والانزلاق التدريجي نحو الاصطفاف. ومن هنا تتجلى خطورة المرحلة الحالية في الضغط المتواصل على مساحات الحياد، وتضييق المنطقة الرمادية التي طالما سمحت للحلول بأن تولد بعيداً عن استقطاب المحاور.

وفي قلب هذه المعادلة يقف مضيق هرمز بوصفه أكثر من ممر ملاحي؛ فهو اليوم ورقة تفاوض رئيسية، ورسالة أمنية بليغة، ومؤشر اقتصادي عالمي بالغ الحساسية. ولذلك يحضر كعقدة مركزية في أي مسار بين واشنطن وطهران، حيث تربطه إيران بمصالحها وحقوقها وسيادتها، بينما تراه الولايات المتحدة والعالم شرياناً حيوياً يجب أن يبقى مفتوحاً أمام تدفق التجارة والطاقة.

وبين هاتين الرؤيتين تتجلى حساسية الخليج العربي كاملة؛ فالدول المطلة على هذا الفضاء تتعامل مع المضيق بوصفه جزءاً من يومها الاقتصادي والمعيشي، إذ ينعكس أثره في تدفق الغذاء والدواء، وحركة السفر، واستقرار سلاسل الإمداد، قبل أن يتحول إلى عنوان عابر في نشرات الأخبار.

وتتغيّر طبيعة الحرب تماماً حين تنتقل إلى البنية المدنية؛ فتهديد المطارات والموانئ والمنشآت الاقتصادية يضع حياة الناس ضمن معادلة الردع، ويمنح الرسالة العسكرية أثراً يتجاوز حدود الجبهة.

فالمواطن المسافر عبر المطار، والتاجر المنتظر لشحنته، والمريض المعتمد على دواء مستورد، يدخلون جميعاً، وبشكل مفاجئ، في حسابات الصراع. وهنا تتسع الحرب لتقترب من البيت والسوق ومقر العمل والمدرسة، ويتحوّل الاستقرار إلى مورد استراتيجي يحتاج إلى دفاع دائم.

ويشمل هذا المنطق أطرافاً متعددة في الصراع؛ فقد مارست إسرائيل خلال حروبها توسيعاً واضحاً لساحات الضغط عبر استهداف مرافق حيوية ومدنية.

وفي المقابل، تجد إيران، التي بنت خطابها على نقد هذا السلوك، نفسها منخرطة في ممارسات مشابهة عبر استخدام التهديد غير المباشر، والتلويح بورقة الممرات والمنشآت والوسطاء في خضم الصراع. وعند هذه النقطة يفرض تشابه الأدوات نفسه على الأرض، مهما اختلفت الشعارات المرفوعة.

كما يكشف الاقتصاد الحقيقة الأشد قسوة في هذا المشهد؛ فتتجاوز الحرب على إيران حدود السماء والبحر لتضرب في صميم الموازنة العامة، وتؤثر على قدرة الدولة في مجالات التعويض والإعمار ودفع الالتزامات الاجتماعية.

فعملية استهداف البنية التحتية والصناعات الكبرى تُضعف الإيرادات بشكل حاد، وترفع في الوقت ذاته نفقات الدعم والإصلاح والتعويض، فتخلق هذه المعادلة ضغطاً مزدوجاً يتمثل في تراجع الموارد وتضخم الالتزامات.

ومع تفاقم العقوبات والتضخم وتراجع القدرة الشرائية، تتحوّل الموازنة إلى خط مواجهة داخلي حقيقي، قد يمتد أثره لفترة أطول بكثير من أثر المعارك العسكرية ذاتها.

تمسُّ هذه الخلاصة دول الخليج العربي بصورة مباشرة؛ فالدول التي أسّست استقرارها على الانفتاح والتجارة والطيران والخدمات تتعامل مع الحرب بوصفها واقعاً ملموساً قريب الأثر.

إذ إن أي اضطراب في المضيق، أو تهديد للمطارات، أو ضغط على الوسطاء، أو ارتفاع في كلفة التأمين والشحن، ينعكس سريعاً على الاقتصاد والمجتمع.

ومن هنا يفرض هذا الواقع التنسيق الخليجي كضرورة سياسية وأمنية واقتصادية في وقت واحد؛ تنسيقاً يحدّد الخطوط الحمراء بوضوح، ويوثّق أي سلوك عدواني، ويصوغ سردية متماسكة قائمة على الوقائع، ويحمي دور الوساطة من التحوّل إلى هدف مستباح.

وفي هذا السياق، يصبح الدفاع عن الاستقرار اختياراً واعياً لشكل المواجهة؛ فالدول العاقلة تُدرك أن قوة الموقف تُقاس بقدرة الدولة على حماية مجتمعها واقتصادها وموقعها ودورها الإقليمي.

وحين تتشابه الأفعال على الأرض، مهما اختلفت الشعارات، يصبح الحكم للواقع العملي والملموس.