عثمان عادل العباسي

في الأيام التي تهدأ فيها المنطقة قليلاً، لا نصدق الهدوء من أول مرة. نحتاج أن نسمعه مرتين. بعد ليالٍ ثقيلة كانت الأخبار فيها أعلى من النوم، والسماء أقرب إلى القلق منها إلى الطمأنينة، جاءت الهدنة كأنها استراحة قصيرة لا نهايةً كاملة. توقفت الأصوات التي كانت تقلق البيوت، وعادت الأعمال تدريجياً إلى نسقها الطبيعي، وبدأ الإنسان يفكر في أبسط ما كان مؤجلاً: أن يخرج قليلاً، أن يمشي، أن يتنفس هواءً لا يحمل خبراً عاجلاً.

في تلك اللحظة، لم أكن أبحث عن خبرٍ جديد، بل عن فسحةٍ أهدأ.. فإذا بي أقف أمام بوابةٍ حديديةٍ عالية. مشغولةٍ بنقوشٍ تبدو كأنها جاءت من كتاب هندسة قديم، لا من حيٍّ في المنامة. دفعتُها بخفة، فاستقبلني ظلٌّ بارد، وصوت ماءٍ يجري بخجل، وضحكات أطفالٍ تتسابق قبلهم إلى الداخل. لم أسأل نفسي أين أنا. المكان كان يجيب عن نفسه: مدينةٌ قررت، في لحظة صفاء، أن تمنح أهلها ظلاً عاماً.

هذه الباغشة..أمشي على ممرٍّ تحفه أشجار باسقة، وأشمّ رائحة وردٍ لا يشبه ورد البيوت. جدولٌ صغير يشق الأرض، ومقاعد يجلس عليها رجالٌ يتبادلون السوالف كأنهم في مجلسٍ مفتوحٍ على السماء. هنا، لا أحد يسأل: «وين رايح؟» لأن الجميع ذاهبون إلى الشيء نفسه.. فسحة.

في مدينةٍ كانت تعيش على الفرجان الضيقة والمجالس الخاصة، بدا هذا المكان نقلةً هادئة في شكل الحياة. فجأة صار للناس فضاءٌ عام يمشون فيه بلا موعد. السور المعدني المصبوب على الطريقة الإنجليزية يحوط المكان، والبوابات تربطه بفريج الحمام وشارع الشيخ عبدالله. كأن الحديقة لم تُبنَ في طرف المدينة، بل في قلبها النابض.

أمشي أكثر، فأسمع موسيقى. فرقة الشرطة تعزف، والضحكات تمتزج بالمارشات. طفلٌ يشير بحماس: «شوف... الدب!» ألتفت، فأراه نجم المكان بلا منازع. حوله غزلان، وقرود، وطاووس يتباهى بريشه، وحيواناتٍ أخرى بدت كأنها وصلت من كتاب جغرافيا. أفكر: من كان يصدق أن وسط المنامة احتضن هذا كله؟ كأن البحر جلب العالم ليقف هنا، في بقعةٍ روتها «عين الخضرة».أجلس تحت شجرة، وأقول: لا تكتمل اللحظة بلا شاي. أرتشف، فتلسعني الحرارة فجأة. أرفع رأسي.. وأدرك أن كل ما أعيشه صورةٌ قديمة.. لكنها تتحرك.

الصوت، والماء، وخطوات الناس خرجت من إطارٍ أبيض وأسود. الذكاء الاصطناعي رمّم الخدوش، أعاد الألوان، وحرّك الوجوه. فجأة لم تعد الباغشة حكايةً يرويها كبار السن، بل مشهداً نعيشه نحن. التاريخ الذي لم نعاصره صار يزورنا عبر شاشةٍ بحجم كف اليد.

انطلقت هذه الحديقة في أوائل الثلاثينات، وشهدت لحظاتٍ مفصلية، من أبرز محطاتها احتفالٌ رسمي كبير بزيارة صاحب الجلالة الملك عبدالعزيز آل سعود رحمه الله وطيب الله ثراه، حيث استقبله حاكم البحرين آنذاك الشيخ حمد بن عيسى بن علي آل خليفة، رحمه الله وطيب الله ثراه، فتحولت الباغشة يومها إلى مشهدٍ للدولة لا مجرد فسحةٍ للعامة. ولعل في تلك الصورة القديمة ما يذكّرنا بأن الخليج العربي، في لحظات القلق، لا يعيش بجغرافيته فقط، بل بامتداد علاقاته؛ من زيارةٍ تاريخيةٍ حفظتها الذاكرة، إلى ممراتٍ ومطاراتٍ وموانئ تُفتح اليوم كأنها شرايين طمأنينة بين دولٍ لا يُقرأ مصيرها منفرداً.

ثم جاء زمنٌ آخر، فتحولت الأرض مع مطلع الخمسينات إلى مدارس: فاطمة الزهراء والمنامة الثانوية للبنات. من ظل الأشجار إلى ظل السبورة، ومن قفص الدب إلى مختبر العلوم. تحولٌ حضريٌّ يعكس أولويات زمنه.

ما كان يمكن أن نرى هذا التحول بهذا الوضوح لولا أن صورةً قديمة تحولت إلى فيديو نابض.

التكنولوجيا لا تلغي التاريخ، بل تمنحه فرصة ثانية ليُروى؛ لكنها تذكّرنا أيضاً بأن علينا أن نميز بين الأصل وما أضافته الخوارزميات. فكما أن للحديقة بوابة، للتقنية بوابة أخلاقية.

أطفأتُ الشاشة، وبقيتُ أبتسم. ربما لم أدخل الباغشة فعلياً، لكني خرجتُ منها بيقينٍ جديد: أن التكنولوجيا ليست مجرد أجهزةٍ وتطبيقات، بل جسرٌ نعبر به إلى حكاياتٍ كالباغشة.. نصنع من صورةٍ قديمة حديقةً كاملة، ونعود منها بشيءٍ أعمق من الذكرى.