اليوم ننظر إلى السماء، فنجد أنّ الصواريخ قد توقفت، والمسيّرات قد صمتت، وصفارات الإنذار قد هدأت، واختفت جميعها. لكن ثمّة صوتاً واحداً ظلّ يتردّد في أرجاء البحرين، هو صوت «القلب البحريني الواحد». ستة أسابيع مضت، وكانت اختباراً حقيقياً؛ لم يكن اختباراً لمنظومات «الباتريوت» فحسب، بل كان اختباراً للمنظومة الأخلاقية والوطنية، وللمعدن الأصيل لشعب البحرين الوفي لوطنه وقيادته. واليوم، ونحن في ظل الهدنة، يحقّ لنا أن نقرأ المشهد من الداخل.
لقد شاهدنا الأزمة وقد صنعت «اللُّحمة الوطنية». شاهدنا ذلك في عيون الشباب المتطوعين؛ لم يسأل أحدٌ عن طائفة الآخر وهو يوزّع الماء في مراكز الإيواء، ولم يتردّد الجار في فتح بيته لجاره حين اشتد القصف. وليس هذا فحسب، بل شاهدنا في مواقع العمل الزميلات والزملاء البحرينيين يدعون زملاءهم المقيمين العاملين معهم من الدول الشقيقة، يطلبون استضافتهم في بيوتهم حين أصابت الصواريخ مساكنهم أو أُخليت مناطق سكنهم، ووجدنا اتصالات لا تنقطع للاطمئنان عليهم.
هذه هي «الجبهة الداخلية»؛ هي الحصن الذي لا تراه الرادارات، وهي القوة التي لا تملكها الترسانات. معدن البحريني أصيل؛ لا يصدأ بالرطوبة، ولا ينكسر بالضغط.
وحين أعلن «ترامب» الهدنة، لم نتنفس الصعداء ضعفاً، بل تنفسناها ثقة بأن البيت الداخلي مرصوص، وأن الجبهة خلف القيادة صلبة كالجرانيت.
لقد حاولوا، عبر إعلامهم الموجَّه، بثّ السموم، وأرادوا إحباط المعنويات، وراهنوا على «تفكّك» الجبهة الداخلية عند أول صافرة إنذار. لكنهم نسوا أن البحريني قويٌّ بطبعه، يعشق التحدي، ولا تهزّه العواصف؛ لأنه ابن حضارة ضاربة بجذورها في أعماق الزمان.
ولذلك، كلما زاد التهديد، زاد الالتفاف حول «القيادة» و«راية الوطن»، وأظهر كل آيات التضحية والولاء والمُواطَنَة.
انظروا إلى الأسواق، إلى المقاهي؛ الحياة مستمرة، الخوف غائب، والوعي حاضر. هذا الوعي هو «البطولة الحقيقية».
فالمواطن الذي لم ينجرّ خلف الشائعات هو جندي، وربّ الأسرة الذي طمأن أبناءه هو قائد، والموظف الذي التزم بعمله تحت دويّ المدافع هو مقاوم.
نحن اليوم أمام واقع جديد؛ فالهدنة قد تطول وقد تقصر. لكن الدرس الذي قدّمه الشعب البحريني للعالم هو أن «السيادة» ليست مجرد حدود جغرافية، بل هي «إرادة شعب». شعبٌ آمن بقوة وشجاعة قيادته وحكمتها في إدارة الأزمة، آمن بأن أمن المملكة خطٌّ أحمر، وأن الرهان على شقّ الصف هو رهانٌ خاسر.
والقيادة البحرينية، وهي تدير دفّة مجلس الأمن، تتكئ على جدارٍ صلب هو «الشعب البحريني»، الذي أثبت أن «المنامة» عصيّة على الانكسار، وأن «المحرق» و«سترة» و«الرفاع» تنبض جميعها بتردد واحد: «حفظ الله البحرين». الشعب الذي أثبت للعالم أن الصواريخ قد تُدمِّر الحجر، لكنها أبداً لا تهزّ البشر.
إن الدرس الذي خرجنا به: أن الحرب تنتهي، والهدن تتبدل، لكن «التلاحم الوطني» يبقى هو الاستثمار الرابح؛ فهو صمام الأمان، وهو -قبل كل شيء- سرّ البقاء رغم الرياح العاتية.حفظ الله البحرين وقيادتها وشعبها من كلِّ سوء.