محمد بوعيدة

تظل قضايا التخابر مع قوى خارجية من أخطر التحديات التي تواجه الأمن القومي للدول، وقد كشفت الحرب الأخيرة في المنطقة اكتساب ملف «التخابر مع إيران» أبعاداً استثنائية تتجاوز مجرد الجرم القانوني لتصل إلى صراع الوجود والهوية.

إن الإعلان المتكرر عن ضبط خلايا نائمة وتفكيك شبكات تجسس، وآخرها ما شهدناه في البحرين والكويت والإمارات، يستدعي وقفة لفهم المحركات العميقة التي تدفع أفراداً لخيانة وطنهم لصالح مشروع إقليمي عابر للحدود.

يجدر هنا أن نلتفت إلى أن هذه الخلايا تكررت في التاريخ السياسي الحديث منذ 1979، ما يدفعنا إلى النظر في الاستلاب الأيديولوجي والولاء العابر للحدود، إذ يعد الاستقطاب العقائدي أخطر أدوات التجنيد التي تمارسها أجهزة الاستخبارات الإيرانية.تُعد العلاقة بين نظرية «ولاية الفقيه» والعاطفة الدينية من أكثر المواضيع جدلاً في الفكر السياسي المعاصر، حيث يرى العديد من الباحثين والسياسيين أن هذا المفهوم تم توظيفه من قبل إيران لتحقيق مآرب سياسية تتجاوز الحدود الجغرافية، مما أدى إلى تحولات عميقة في طبيعة الولاء السياسي لبعض المجتمعات.

إذ تعتمد نظرية ولاية الفقيه (بصيغتها المطلقة) على إعطاء الفقيه صلاحيات واسعة تشابه صلاحيات المعصوم بصفته نائباً له، هذا الربط يجعل طاعة «الولي الفقيه» جزءاً من العقيدة، وليس مجرد خيار سياسي.

ومن خلال استغلال العاطفة يتم تصوير التوجيهات السياسية الصادرة من المركز (طهران) على أنها «تكليف شرعي»، هذا يحول المعارضة السياسية إلى معصية دينية في نظر الأتباع، مما يسهل حشد الجماهير بناء على الوازع الروحي.

وقد رأينا ولا نزال نرى مصير كل من يعارض الولي الفقيه، إذ إن كان في الخارج فهو موصوم بالردة والكفر والزندقة، وإن كان في الداخل فهو أيضاً كافر إلى جانب العمالة للعدو، ومصيره أعواد المشانق أو الإقامة الجبرية إن حالفه الحظ.

إلى جانب احتكار الرموز والمظالم التاريخية، حيث تعمل الماكينة الإعلامية المرتبطة بهذه النظرية على ربط أحداث الحاضر بالمظلومية التاريخية.

ما ينتج عنه إسقاط المصطلحات التاريخية على الصراعات السياسية الحالية، هذا الإسقاط العاطفي يجعل الفرد يشعر أنه في حالة صراع وجودي دائم، مما يدفعه للبحث عن «قائد» أو «منقذ» خارجي، وهو ما يجسده نموذج الولي الفقيه.

ناهيك عن أن من أخطر تداعيات التوظيف السياسي لولاية الفقيه هو خلق «هوية عابرة للحدود» تتصادم مع الهوية الوطنية للدول.

وعندما يصبح الولاء للمرجع السياسي (الفقيه) في دولة أخرى أقوى من الولاء للدولة الأم، ينشأ ما يوصف بـ «العملاء» أو «الأذرع»، هنا لا ينظر الشخص لنفسه كمواطن يسعى للإصلاح في بلده، بل كجزء من مشروع إقليمي تقوده القيادة الإيرانية.

إن تحويل العاطفة الدينية الصادقة إلى أداة سياسية، يخدم بالدرجة الأولى التوسعية الإقليمية، ويضع تلك المجتمعات في مواجهة غير ضرورية مع شركائهم في الوطن، مما يعزز الانقسام الطائفي، ويضعف استقرار المنطقة.

تأتي بعد ذلك هندسة «الخلايا النائمة»، إذ لا تبدأ عمليات التخابر والعمليات التخريبية من فراغ، بل هي نتاج «صناعة» استخباراتية دقيقة تستغرق سنوات من الإعداد.

ويعتبر مصطلح «هندسة الخلايا النائمة» توصيفاً دقيقاً لعملية تحويل الأفراد من حالة «الولاء العاطفي» أو «الانتماء العقائدي» إلى حالة «الأداة التنفيذية» المسيرة استخباراتياً. هذه العملية لا تحدث بمحض الصدفة، بل تتبع منهجية «الصناعة» التي تمر بمراحل معقدة تهدف إلى بناء كيانات غير مرئية داخل نسيج المجتمع.

وتعتمد الاستراتيجية الإيرانية، المُدارة عبر فيلق القدس التابع للحرس الثوري، على تحويل الأفراد من مواطنين عاديين إلى عناصر في «خلايا نائمة» تنتظر ساعة الصفر. وتعتمد هذه الهندسة على مسارين متوازيين: التجنيد الناعم في الخارج، والتدريب العسكري الذي كشفت التحقيقات في قضايا عديدة عن تلقي عناصر تدريبات في معسكرات تابعة للحرس الثوري في إيران أو فصائل خارجها موالية لها.

إن خطورة هذه الخلايا لا تكمن في سلاحها، بل في كونها «جزءاً من النسيج اليومي». فهي هندسة تعتمد على تحويل «ابن الوطن» إلى «لغم موقوت» ينتظر إشارة خارجية لينفجر في وجه مجتمعه، مستغلاً في ذلك الغطاء العاطفي والديني الذي وفره فكر ولاية الفقيه كغطاء شرعي لهذه الخيانة.

التخابر مع إيران ليس نتاج صدفة، بل هو نشاط مؤسسي تديره أجهزة استخباراتية إيرانية تستغل الثغرات الطائفية أحياناً، أو الطموحات السياسية لبعض الأفراد، لدمجهم في مشروع «تصدير الثورة» الذي يُعتبر تهديداً وجودياً للأمن القومي الخليجي.

كما يبقى التخابر مع إيران أداة في مشروع أكبر يهدف إلى تغيير وجه المنطقة، ومع كل خلية يتم ضبطها، يتضح أن صلابة الدول الخليجية وقدرتها على تفكيك هذه الشبكات تعتمد بشكل أساسي على تلاحم الجبهة الداخلية ووعي المواطن بأنه الهدف الأول والأخير لهذه المخططات.إن حماية السيادة ليست مجرد وظيفة رسمية، بل هي ممارسة يومية لكل فرد يؤمن بأن الوطن لا يُباع ولا يُقايض بوعود وهمية.