انطلقت حياتُنا في تلك الحقيبة البسيطة المُعبّرة، الخالية من تعقيدات الحياة، ومن تعقيدات النفوس، ومن تلك الأوحال التي سُكبت اليوم في طريق إنجازاتنا. كان الجميع حينها يتلهّف للعيش البسيط، ويتوق إلى أيامٍ خلت من قبله، ثم عاش هو على أثرها، ببساطة الكلمات، وألفة العلاقات، وتقبّل كلِّ طرفٍ للآخر.
عندما كتبتُ عنوان هذا المقال، إنما أردتُ به أن نعود قليلاً إلى نفوسنا وذواتنا، ونعود إلى أصالة معدننا، وأصالة الأجيال التي خلت، وطيب قلوب آبائنا وأجدادنا، الذين علّمونا معنى المحبة الحقيقية، وأن لا يغدرَ شخصٌ بآخر، وأن يكون له سنداً وعوناً، وأن نحترم الكبير ونُقدّره ونُقدّر خبرته وحكمته، وأن نعذر بعضنا بعضاً. كلُّها قيمٌ تعلّمناها في جيلٍ بلا «تكنولوجيات معلوماتية»، وبلا «ذكاء صناعي»، وبلا انفتاحٍ أثّر كثيراً على قناعاتنا ورؤيتنا للحياة.
إنه زمنٌ غيرُ الذي عشناه؛ زمنُ اليوم اختلف كثيراً عن الأمس، ولربما أثّر -سلباً- على بعض مناحي الحياة، وبخاصة مناحي العلاقات الزوجية والأسرية، وعلى نظرة المجتمع لمفاهيم العطاء وخدمة الإنسانية.
خلال حديثٍ وديٍّ مع صاحب الأثر، لفت نظري إلى قول الله عز وجل: (وكلَّ إنسانٍ ألزمناه طائره في عنقه ونُخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً * اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً). وقيل في معناها «ما من مولودٍ يولد إلا وفي عنقه ورقة مكتوب فيها شقيٌّ أو سعيد». فإنما عملُه هو ما قُدِّر عليه، وعملُه ملازمٌ له أينما كان، وسوف يُحاسَب عليه بنفسه، وهو الذي يتحمّله في حياته الدنيا. إنها وصيةٌ ربانية: «اقرأ كتابك»؛ فأنت الوحيد المسؤول عن ذاتك وأعمالك، ومن المعيب جداً أن تعيش متذمّراً متسخّطاً على أحوالك وأحوال الحياة. فأينما حللتَ ووطئتَ وعملتَ، فأنت المسؤول عن نفسك، وعن قراراتك، وعن أثرك في هذه الحياة، وهو الذي سيبقى في صحيفة أعمالك. وأنت من ستقرأها يوم الحساب، وأنت من ستقف وحدك أمام الله عز وجل بلا ترجمان، يُحاسبك عن كل أعمالك.
فهذه هي المسؤولية الحقيقية التي نتغافل ونتساهل في فهم معانيها، وبخاصة في هذا «الزمن» الخاص الذي اختلطت فيه الكثير من المعايير والقيم، وبتنا نحاول فيه أن نقنع الأجيال المتقدمة بضرورة أن تتعقّل وتفهم معاني وجودها في هذه الأرض؛ فهي المسؤولية العظمى التي منحنا الله تعالى إياها: (إنا جعلناك خليفةً في الأرض). فأنت، في نهاية المطاف، من يتحمّل تبعات وعواقب قراراتك.
في ذاك الزمان، تذوّقنا معاني العمل التطوعي والخيري، وبذلنا ساعاتٍ طويلةً نعيشها ابتغاءً لوجه الله تعالى، وتعلّمنا الكثير من تلك الأيام البسيطة. فلم نطمح من ورائها إلى الأجور الدنيوية، ولا إلى تصدّر المجالس، أو حبّ الظهور. كنّا نُربّي ذواتنا على معاني المسؤولية، ونغرس فيها الإخلاص والنية: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئٍ ما نوى». وقد كنّا بالفعل نسعد بتلك الأعمال، ونشعر بثمرتها وبركتها في حياتنا، فلم نلتفت إطلاقًا إلى كسب المال أو رضا البشر، بقدر ما كنّا نسير في طريق الله عز وجل، طريقٍ نعلم أن نهايته ستكون أثراً مرجواً في صحائف الأعمال يوم القيامة، وإلى «جنة الله الغالية» بخلودٍ دائم، نتيجة أعمال الخير وخطوات الأثر الصالح التي مشيناها على هذه الأرض.
مقامُ زمنِ اليوم ليس كالسابق -إن جاز التعبير- ولا نعمّم ذلك، ولكنها أصداءٌ باتت تعبث بمعاني الإنسانية اليوم، وبمفاهيم العطاء والتطوع، وإن زعم البعض أنها تحافظ على مؤسسية العمل والعطاء. ولكن، مع الأسف الشديد، فإن بعضهم اتجه إلى المبالغة في جني المال على حساب «الأعمال الخيرية»، وعلى حساب زكاة العلم وخبرات الأفراد ونضجهم. فهمُّ البعض أن يصل بأي طريقة، حتى لو كان ذلك على حساب بيئةٍ تحب الإنسانية وتسعى لتكون نبراسا للخير في الحياة.
في زمنٍ تتعاظم فيه مسؤوليات الأفراد، وأضحى بعضهم حبيس مفاهيم دنيوية رخيصة يزعم أنها سعادته في الحياة، نتساءل: أين المفرّ؟ وما هو المخرج؟ كما قال تعالى: (فهل إلى خروجٍ من سبيل).
إن السبيل -باختصار- هو العودة الصادقة إلى الله تعالى، وتجنّب تلك المزالق الشيطانية، والمنغّصات المنتشرة في عوالم الانفتاح الإعلامي، التي باتت حجر عثرة في الحفاظ على الإيمان الصافي. في زمنٍ بات فيه البعض يتمايل أمام الجنس الآخر بحجة لفت الأنظار، أو بدعوى الصداقة المبتذلة، أو الإشباع العاطفي المؤقت، وإن كان ذلك -في كثير من الأحيان- على حساب المبادئ والثوابت التي ترعرعنا عليها. وعندما نضع خطوطاً حمراء في علاقاتنا مع الجنس الآخر، أو مع مقتضيات الحياة عموماً، فإننا نحافظ على أنفسنا من الضياع، ونصون أصالة إيماننا وعلاقتنا بالله عز وجل. السبيل الحقيقي هو أن نكون حذرين في خطواتنا داخل عوالم الانفتاح، وأن نلتزم بإطارٍ إيماني يحفظنا من الانزلاق في المتاهات، أو مما يخدش مكانتنا عند الله عز وجل.
آن أوان قيادة المشاريع الحياتية الوطنية الناجحة، التي لابد أن تُدار بمفهوم الاستدامة والأثر الحقيقي في حياة الأفراد، وأن تكون هناك مبادرات حقيقية تنتشل فكر الشباب من التعلّق بالدنيا والانشغال بهوامش الحياة، وتعجز عن التحرر من قيود الماضي الأليم. نحتاج بالفعل إلى صياغة مبادرات وطنية تُؤهّل الشباب -بصورة خاصة- لقيادة المجتمع، ولصياغة مشاريعهم الأسرية على الوجه الأكمل. فالشباب اليوم، قبل أن يقودوا أسرهم، وقبل أن يتدرجوا سريعاً في المناصب القيادية، لابد أن يُؤهّلوا نفسياً لقيادة ذواتهم أولاً، قبل قيادة الآخرين، وأن يدركوا عن كثب معاني المسؤولية، وخدمة الإنسانية، والعطاء، وخدمة الوطن.
كلنا على استعدادٍ متمكّن لنكون من مؤسسي هذه المبادرات الوطنية التي سيعود أثرها على الوطن العزيز. فخبراء الحياة والعمل الوطني والإنساني كُثُر، وهم الأجدر بأن يؤسسوا لمبادرات نوعية ذات أثر مجتمعي مستدام.