كلمة جلالة الملك أجبرتني على عدم الانتظار للأحد موعد المقال الثابت، فهي لقوتها ومغزاها تشكل منعطفاً هاماً في تاريخ مملكة البحرين، وتُعد من أقوى الكلمات السامية وأكثرها حزماً منذ أن تولى جلالة الملك المعظم الحكم حفظه الله ورعاه إلى يومنا هذا، لذلك أكتب مقالي اليوم في غير موعده.
فخطاب جلالة الملك على مدى العقدين الماضيين حفل دوماً بعبارات الصبر والحلم والحكمة، خاصة إذا ألمَّ في البلد خطبٌ مس أمنه وسلامة مواطنيه، حاول جلالته طوال العقدين من الزمان ونيف امتصاص الغضبة الشعبية في كل مرة يعيث البعض في أمنها فساداً، ولطالما حاول احتواء مَن أضر بالدولة وبالمجتمع لعله يعود لحضنها، ولطالما جعل حلمه وصبره وأناته قبل حزمه وصرامته.
إلى أن حصل ما حصل في 28 فبراير الماضي، إذ تعرضت البحرين لعدوان لم يسبق له مثيل في تاريخ مملكة البحرين وصل إلى القصف المباشر لمدة أربعين يوماً، وتحركت شرذمة من أبناء البحرين خانت وطنها خيانة عظمى في ظرف استثنائي خطير جداً، مما استدعى التعامل بحزم أمنياً حتى تمر العاصفة، وكان الشعب البحريني إلى تلك اللحظة يكتم الغيظ، ويحاول أن لا تمس مشاعره الغاضبة السلامة والوحدة الوطنية، إلى أن جاءت جلسة مجلس النواب، وكنا ننتظر أن نرى الاصطفاف التام مع الإجراءات التي تم اتخاذها، ونرى تفهماً من النواب لمشاعر الغضب الشعبي وتعبيره الذي حتى وإن (اشتط) إلا أنه منسجم مع خطورة وجرم ما حدث، لكن أن يُطلب من الشعب البحريني عدم التعبير عن غضبه وكتم مشاعره التي هي أصلاً مكتومة كرامة للوطن ووحدة الصف، هنا القشة التي جعلت المجتمع البحريني في صدمة، خاصة وأن الحالة هي ذاتها في جميع دول الخليج العربي كلها لم يسمع أحد فيها يطلب الرأفة والتعاطف مع الخونة، بل كان خطاباً شعبياً منسجماً وموحداً، ولم يكن المزاج البحريني بعيداً عن المزاج الخليجي، تلك اللحظة التي لم يحسب حسابها النواب الثلاثة مع الأسف أن هناك مزاجاً بحرينياً ومزاجاً خليجياً متحداً لذلك كانت ردة فعل الناس كبيرة على ما حدث في الجلسة.
وإذا بجلالته حفظه الله يعلن أول أمس أنه اصطف صفاً واحداً مع غضبة شعبه وهذه (هقوتنا) فيه حفظه الله، ففي هذه اللحظة الاستثنائية لا يملك إلا أن يكون مليكنا مع أبناء وطنه من شيعة، ومن سنة بلا استثناء، ومن كل الطوائف ليؤكد أن البيت متوحد، وأن الخليج العربي كله متوحد، فما حدث من خيانة لم يكن يقتصر على أمن البحرين فقط، بل على أمن دول الخليج كافة، وما كان ليسمح جلالته أن تكون البحرين خطراً على أشقائها إن هي تهاونت مع تلك الشرذمة.
إذ عبر عن ذلك بكل شفافية «معرباً جلالته عن بالغ غضبه مما جرى من الخيانة والتعاطف معها، مؤكداً أن غضبته ليست إلا ترجمة صادقة لغضب شعب بأكمله»، متسائلاً جلالته «كيف لا يغضب وهو يرى من ائتمنهم الوطن على مقدراته يطعنون خاصرته، ومن انتخبهم الشعب لتمثيله يقفون إلى جانب الخونة الذين لفظهم الرأي العام، واستنكر فعلتهم الشنعاء».
بل إنه نبه إلى نقطة مهمة جداً ربما غفل عنها مَن تعاطف مع تلك الفئة، أن الإجراءات الصارمة التي تم اتخاذها كانت أرحم ألف مرة من البديل «إذ إن الإجـــراءات الرادعـــة ليســـت تشـــفياً، بـــل رحمـــة بالغالبيـــة العظمـــى مـــن أبنـــاء الوطـــن وصمـــام أمان يحـــول دون اضطـــرار قيـــادة القـــوات المســـلحة إلى تســـلم زمـــام الأمـــور وفـــق أحـــكام عســـكرية».
هل تستوعبون معنى هذه العبارة الأخيرة في كلمة جلالته حفظه الله؟ هل أدركتم إلى أي قدر بلغ الضرر والخطر على الوطن؟ فأي فلسفة سفسطائية في هذا التوقيت من أي فرد أياً كان موقعه، تعتبر مساوية لفعل الخيانة والتجسس والعمل الإجرامي، وتعد من الغثاء الذي لا يقف عنده الإنسان في مثل توقيت كهذا وظرف كالذي مررنا به، والمساحات الرمادية التي كانت تستغل سابقاً كالحديث عن حقوق الإنسان والحريات في زمن الحرب لا مكان لها بين أبناء البيت المتوحد في زمن الحرب، ولذلك لم يترك جلالة الملك لتلك المساحات الرمادية فرصة، فسدها ولم يترك لما بين البينين مكاناً، حين قال «الحريـــة لا تعني الفوضى ولا التطاول على الثوابت، ولا تعني خيانة الوطن»، كلمة (الحرية) تلك التي لبس قميصها كل من أراد تمرير أجندات الإضرار بالدولة، ومعتقدين أن مدح جلالة الملك غطاء يمكنهم من بعده تمرير ما يودون تمريره.تلك الكلمة كانت من الوضوح والبيان والصدق والشفافية رد بها جلالة الملك الاعتبار «للكرامة الوطنية» التي أهدرها أصحاب المناطق الرمادية، واستغلوها أسوأ استغلال على مدى العقدين السابقين.
جلالته اختار الاصطفاف مع الشعب ومشاركته غضبه وانفعالاته، فلقد بلغ السيل الزبى من تلك الفئة التي دائماً ما تمرر ما تريد تمريره من بعد «نحن معك ولكن ..»، «نحن نحب البحرين ولكن ..»، تلك اللكنة التي استفاد منها من خان الوطن على مدى عقدين من الزمان.ثم جاءت كلمة سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء حالاً من بعد كلمة جلالة الملك، فلم تترك فرصة أو فراغاً أو لبساً عند مَن تسول له نفسه اللعب على اعتقاده أن هناك اختلافاً في الرؤى بين جلالته وبين ولي عهده رئيس مجلس الوزراء.
كلمة سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء حفظه الله قطعت الطريق أمام أصحاب «ولكن».
احفظوا تلك الكلمة فما هو الوطن؟ ما هي الدولة؟ ما هي الجنسية؟ ما هي الثوابت؟ ما هو الولاء؟ ما هي الحرية؟ ما هي الخيانة؟ مفاهيم ومسلمات تم التلاعب في تلك الثوابت وتمطيطها، حتى فقدت خاصيتها، فجاءت كلمة جلالة الملك لتحدد الأطر من جديد، فلا تترك مجالاً لتشكيل تلك الثوابت وفقاً للأهواء والأمزجة والأجندات.
وللحديث بقية في مقال الغد.