لا أكتب اليوم من موقع الأكاديمية التي تستعرض مفاهيم الانتماء والولاء، بل ولا من موقع المسؤولية التي تحتم علي إلقاء الخطب بين الفينة والأخرى، إنما أكتب من موقع أعمق بكثير، من ذاكرة حية لم يتلاعب بها الزمن، من تربية مدت جذورها في أعماقي، فأثمرت معاني الولاء والانتماء، في مرحلة سبقت أي كلمة ومعنى تعلمته من مدرسة أو كتاب، فقد علمني والدي – رحمه الله وأسكنه فسيح جناته – أن البحرين ليست مجرد كلمة تكتب بعد «محل الولادة» ولا عنواناً يوضع على جواز السفر، ليفتح لي أبواب الدول المغلقة، فهي قبل ذلك أمانة يحملها البحريني في قلبه، قبل أن يخطها الحبر على أي ورقة، ومسؤولية والتزام يسبق كل حق وامتياز، وكل ذلك من دون أن يحدثنا عن معاني الولاء والانتماء بموعظة أو شعارات، فقد جسدها أمام أعيننا في سلوكه اليومي مع المجتمع والأرض، فكبرت لأرى هذا السلوك وهذه التربية تترجم إلى أعمال باقية حملت اسمه خدمةً لا فخراً، شواهد تعبر بصمت عن التعلق بالوطن، بالبناء والعطاء لا بالكلمات وحدها، ليكون بعد ذلك شغلي الشاغل أن أعلّم تلك المعاني لأبنائي، وأحرص على أن يعلموها لأبنائهم.
أحرص على ذلك، لأن هناك لحظات تمر على المجتمع والبلاد، لا تحتمل التأويل، أو التعامل معها بغموض، لحظات يواجه فيها الإنسان سؤالاً واحداً قاطعاً، لا يمكن المراوغة فيه، ولا مجال لانتقاء إجابات دبلوماسية له، ولا يمكن الامتناع عن الإجابة عنه، ألا وهو: أين أنت من البحرين في فترة الكرب والابتلاء؟ فإذا لم يكن الولاء والانتماء ميراثك الذي حصلت عليه بالتربية والقدوة والممارسة، لن تتمكن من الإجابة بشكل صحيح، فالولاء والانتماء لا يورث بعقد ولا بوثيقة، إنما يأتي من الأب وقبله الجد، ليصل إلى الابن والحفيد، نرضعه لأبنائنا، ونربيهم عليه، لأننا نعلم أنه ليس سهلا الإجابة عنه عندما تكون الظروف قاسية، والأبواب مؤصدة، وهنا يكون البرهان على الولاء والانتماء، إما عندما تكون الظروف سهلة، والحياة مزهرة، سهل على كل إنسان أن يدعيهما، لقد رأينا قبل أسابيع قليلة عندما كانت مملكتنا تتعرض لهجمات عدوانية خطيرة، وبينما كانت قوة الدفاع الباسلة تترصد صواريخ وطائرات العدو المسيّرة، وتسقطها دفاعا عن سماء البحرين وأرضها وسكانها، كان هناك ثلة ممن يحملون جنسية البحرين، يهللون لتلك الصواريخ فرحا باستهدافها المملكة، ويمجدون العدو الذي أطلقها، بل وأكثر من ذلك، أقدم بعضهم على الاتصال بالعدو وتقديم التسهيلات والخدمات له لتيسير عدوانه، لقد اختار هؤلاء واختيارهم كان صريحاً، اختياراً على حساب الوطن وكرامته وسيادته وقانونه وشعبه.
وها نحن نرى جلالة الملك حمد بن عيسىآل خليفة، ملك البلاد المعظم، وهو يضع هذه المسألة في إطارها الأخلاقي والسيادي الصحيح، ويبين لمن لم يُربَ على معاني الولاء والانتماء، أن الجنسية ليست فقط وثيقة تُمنح، فهي عهد يجب صيانته وحفظه، ومن نقضه يكون قد أسقطها بيده، وتخلى عن شرف انتمائه، وكرامته في العيش على هذه الأرض الطيبة، وأن لا مكان بيننا لمن تحالف مع أعدائنا ضدنا، الجنسية عقد راسخ بين الإنسان ووطنه، وأن هذا العقد رهن صاحبه، فقد يبطل بفعله قبل أن تبطله المحاكم، أن موقف جلالة الملك المعظم، حكيم وحازم، موقف قائد يدرك أن حماية شعبه تقتضي قرارات ضرورية تحمي الوطن وأهله ممن لا يستحقون جنسيته والعيش فيه.
بحريننا التي أحبها، وكرست حياتي لخدمتها، أرض عُرفت عبر التاريخ بالانفتاح والقدرة على احتضان التنوع، فهي تسع الجميع على اختلافهم، وذلك بما تمتلكه من قيم حضارية راسخة، لكنها في الوقت ذاته لا تمنح رخصاً للاستغلال، والتنوع الذي تحتضه ليس باباً للخيانة، فهي كريمة بجنسيتها على أبنائها، لكن على أبنائها صيانة هذه الجنسية بالولاء والانتماء.
ستطوى صفحة هذه المرحلة الصعبة، ولن يذكر التاريخ إلا الشامخ وهي البحرين التي وقفت صلبة أمام العاصفة بقائدها جلالة الملك الحكيم الحازم العادل، الذي رد بقيادته صواريخ وطائرات العدو فأسقطها مدحورة على أرض البحرين، ثم رد خيانة الخائنين بصرامة القانون، وصان وحدة البحرين بكل حزم واقتدار، وتبقى البحرين أمانة في أعناقنا، ويبقى العهد محفوظاً في صدورنا، ويبقى جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم، حارسها الأمين، وقائدنا إلى العلياء والعز والرقي.