أ.د. وهيب عيسى الناصر

في مملكة البحرين، حيث تلتقي زُرقة الخليج برمال الصحراء الذهبية، ينتظر السكان بفارغ الصبر تلك اللحظات النادرة التي تتجمع فيها الغيوم وتنهمر أمطاراً تحمل أكثر من مجرد ماء؛ إنها تجربة متكاملة للحواس: رائحة المطر العطرية، ثم دفء الحرارة الكامنة التي تليها مباشرة.

عندما تبدأ أول قطرات المطر في التسلل إلى التربة البحرينية الجافة، ينطلق سحر حقيقي، وهي الرائحة التي نشمها، والمعروفة علمياً باسم «بتريكور»، وهي توليفة فريدة من الزيوت النباتية التي تفرزها الأعشاب البرية الصحراوية خلال فترات الجفاف، ثم تمتزج مع مركب «جيوسمين» الذي تنتجه البكتيريا في التربة الرطبة. وفي البحرين، تضيف نسمات الخليج المالحة ورائحة أشجار الغاف والسدر لمسة خاصة تجعل هذا العبير لا يُضاهى؛ إنها رائحة الأرض الظمأى التي تتنفس الصعداء، رائحة الحياة المتجددة.

لكن المفاجأة الحقيقية تأتي بعد توقف المطر مباشرة؛ فنشعر بتلك الحرارة الغريبة التي نشعر بها رغم برودة المطر؛ فهي ليست خيالاً، بل هي «الحرارة الكامنة» المنبعثة من عملية التكثيف؛ فلكي يتحول الماء إلى بخار ماء يجب أن يستلم طاقة قدرها 2260 كيلوجول/كجم (تعادل طاقة سقوط 2.2 مليون تفاحة من ارتفاع 1 متر)؛ فلذا على الغيوم أن تطرد مثل هذه الطاقة الحرارية (جزء جهة الأرض وجزء إلى الأعلى والجوانب).

كما أنه عندما يتبخر الماء المتساقط على الأسطح الحارة (في البحرين، قد تصل حرارة الأرض الصيفية إلى 50 درجة مئوية)، يتحول بخار الماء إلى سائل في عملية تطلق طاقة حرارية محسوسة، بالإضافة إلى أن الرطوبة العالية بعد المطر تمنع العرق من التبخر بسهولة، مما يجعل الجسم يشعر بالدفء اللزج الفريد.

في المنامة والمحرق، وبعد أمطار الشتاء النادرة، تتوقف السيارات على جوانب الطرق، وتنفتح النوافذ، ويخرج الأطفال حفاة الأقدام، والجميع يتذكر المقولة «مطر البحرين غسيل للروح قبل الأرض»، وفي تلك اللحظات العابرة، تختفي مؤقتاً غبار مواقع البناء وأبخرة المصانع، ليحل مكانها نقاء مؤقت يعيد للجزيرة روحها الأولى.

رائحة المطر في البحرين ليست مجرد ظاهرة جوية، بل هي ذكرى جماعية، ونافذة على موسم لا يدوم طويلاً، والحرارة الكامنة بعده ليست إزعاجاً، بل تذكير بأن الطبيعة هنا لا تمنح دفئها مجاناً؛ إنه دفء يأتي بعد انتظار، مثل كرم البحريني الذي لا يبخل بعطاياه بعد طول غياب.

فأنصح من يزور البحرين، وأظلمت السماء وهطل المطر فيها، فلا يبقَ في الداخل بل أنصحه بالخروج تحت المظلة، والتنفس بعمق، والشعور بالدفء المفاجئ على البشرة، وعندها ستختبر سحراً لا تفسره كتب الفيزياء والكيمياء وحدها، بل ترويه حكايات جزيرة تعشق الحياة في كل قطرة ماء.