إن أمانة الوطن هي عهدٌ وثيق وعقيدةٌ ثابتة؛ ولذا من المُحالِ أن تجتمع أمانةُ الوطن وخيانتُه في قلبِ امرئٍ واحد؛ إذ لا يلتقي الوفاءُ بالغدر، ولا الحبُّ بالبغض في مسارٍ واحد، فشتان بين من يحمل هذه الأمانة بشرف، وبين من يُضمر في نفسه سوءاً ويُظهر نقيض ما يُبطن. فالقلبُ كالوعاء، متى ما أحسنَ المرءُ مِلأَه بالولاء والقِيَم النبيلة سَمَا وارتقى، ومتى ما دنّسه بالغلّ والارتياب هَوَى وتردّى.

ولطالما أكدَّ ديننا الحنيف أنَّ أمن الأوطان يعد من الأسس الراسخة في القرآن والسنة، حيث يُعدُّ حملُ أمانةِ الوطن التزاماً ومطلباً شرعياً وأخلاقياً لا يستقيم الاستقرار إلا به، كما صُنفت خيانةُ الأوطان في ديننا كجريمةٍ نكراء وكبيرة من كبائر الذنوب. وعلى مر التاريخ والعصور، لم يكن حب الأوطان مجرد انتماء عابر، بل كان المعيار الأول لمروءة الرجال وعماد بقاء الحضارات واستقرار المجتمعات.

إن الوفاء للوطن الرغيد الآمن هو مقتضى الفطرة السوية، وإنَّ الذود عن حياض الوطن بالمال والنفس هو من أسمى مراتب العطاء الإنساني؛ ولذا نجد أن المواطن الصالح والمخلص هو من تضيقُ به الحياة إذا مسَّ وطنهُ أذى، فكيف بمن يخونُ الميثاق ويمسُّ أمن الدولة ومكتسباتها ويستهدف مقدرات المجتمع ويعرضها لطعنات الغدر التي تفوق في خطرها كيد العدو الخارجي! قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً).

إنَّ ما مرَّ بمملكتنا الغالية من عدوانٍ آثم مسَّ أمن البلاد والعباد، وعرّض مكتسبات الوطن للمخاطر وبثَّ في الأرض الفساد؛ كان بمثابةِ المِحكِّ الذي تجلت عليه معادلةُ الأمانة والخيانة بكل جلاء، وبانت من خلاله معادنُ المخلصين من أبناء الوطن؛ بين من صان الأرض بعرقه ودمه، ومن غدر بميراث الآباء والأجداد.

لقد تجاهلت الفئة الجاحدة احتواء وحكمة قيادةٍ حكيمة منحت وقدمت، وهيأت للمواطن كل دعائم الأمن والأمان والعيش الكريم، والتي لطالما سعت لتحصين هذا الوطن وشعبه بجميع أطيافه من كل سوء، ومنحته فرصاً تلو الأخرى لبيان حسن النوايا؛ فالسؤال الملحّ هنا: أهكذا تصان أمانة الوطن! وهل هكذا تحمل الأمانة! وهل يُقابل كل هذا الإحسان بالخيانة ونكث العهود! إنَّ هذا الجُرم يُعدُّ نكوصاً صريحاً عن «العهد الوثيق» ونقضاً للعقود التي أمر الله بالوفاء بها في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ).

لذا، استحق كل خائنٍ نالَ من استقرار مملكتنا أن يُواجه بحزمٍ من وليِّ أمرنا حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم حفظه الله ورعاه، لإيقاع العقوبات الزاجرة لكل من تسوّل له نفسه بثَّ الفتن أو موالاة المتربصين.

فكم مُنحت الفرص، وكم بَلغ التسامح والعفو مداه، ولكن عند الوصول إلى أمن الوطن ومقدراته تنتهي المراجعات وتُحسم المواقف.

وختاماً.. لم يكن حُبُّ الوطن قط مجرد شعارٍ يُرفع، بل هو أصلٌ ثابتٌ يتجذّر في النفس كترابط الرّوح بالجسد، وهذا ما تمثل في قول النبي (ص): «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا»، ليتراصَّ الصفُّ خلف القيادة دون ثغرةٍ ينفذُ منها المرجفون.

فإما حياةٌ بكرامةٍ على أرض الوطن نظير الوفاء، وإما خذلانٌ ونبذٌ لمن فرّط في شرف الانتماء.

وسيبقى هذا الحب العميق صرحاً شامخاً، وديناً نحمله بكل أمانة لهذه الأرض الطيبة ولقيادتنا الرشيدة.

اللهم أدم علينا نعمة الأمن والأمان، واحفظ قائدنا وسدده، واحفظ مملكتنا الغالية وشعبها من كل معتدٍ أثيم.. «رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً»، سخاءً رخاءً، مستقراً مطمئناً أبدَ الدهر.