مع كل إعلان من وزارة الداخلية بإحباط مخطط أو كشف تنظيم، أدرك ويدرك جميع البحرينيين، حجم المعركة التي يقوم بها رجال الأمن، والتي تعكس قيمة العمل الأمني المحترف الذي يسبق الخطر، وما أعلن مؤخراً بشأن القبض على تنظيم مرتبط بالحرس الثوري الإيراني وفكر ولاية الفقيه، يمثل رسالة، للداخل والخارج، أن أمن البحرين ليس ساحة للعبث أو الولاءات العابرة للحدود.
البحرين، عبر تاريخها، لم تكن يوماً وطنا لطائفة دون أخرى، حيث قام هذا الوطن على فكرة الدولة الجامعة تحت راية واحدة وقيادة واحدة، ولذلك فإن أخطر ما تحاول هذه التنظيمات فعله هو ضرب فكرة الوطن نفسها، عبر محاولة استبدال الهوية الوطنية بولاءات خارجية، وتحويل الانتماء من الأرض والدولة إلى مشاريع سياسية ودينية عابرة للأوطان.
ومن المهم هنا التفريق بوضوح بين أبناء الطائفة الشيعية الكريمة الذين كانوا وما زالوا جزءاً أصيلاً من نسيج البحرين الوطني، وبين فئة محدودة اختارت أن تخرج عن الإجماع الوطني، وتربط نفسها بأجندات خارجية لا تريد الخير للبحرين ولا لأهلها، فالمقبوض عليهم لا يمثلون إلا أنفسهم وخياراتهم التي تناقض القانون ومع ثوابت الدولة الوطنية.
ولعل أخطر ما ورد في بيان وزارة الداخلية هو الحديث عن محاولات التغلغل داخل المؤسسات الاجتماعية والدينية والتعليمية، والعمل على التأثير الفكري والثقافي طويل المدى، لذلك فالمعركة ليست فقط مع تنظيم، بل مع مشروع يسعى إلى إعادة تشكيل الوعي والانتماء لدى الأجيال الجديدة.
وفي المقابل؛ أبرز هذا الإعلان صورة البحرين الحقيقية، صورة المجتمع الذي يرفض الانجرار خلف الفتنة أو الاصطفافات الضيقة، فمنذ صدور البيان، جاءت المواقف الأكاديمية والإعلامية والمجتمعية متقاربة في رسالتها الأساسية بأن البحرين دولة واحدة، وشعب واحد، وقيادة واحدة تحت راية الوطن بقيادة حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم، حفظه الله ورعاه.
هذه المواقف عكست وعياً مجتمعياً متقدماً بخطورة المرحلة، وإدراكاً بأن حماية الوطن ليست مسؤولية الأجهزة الأمنية وحدها، بل مسؤولية جماعية تبدأ من الأسرة، والمدرسة، والإعلام، والمؤسسات الدينية والثقافية.
وهنا لا بد لي أن أشيد بجهود وزارة الداخلية، فالعمل الأمني يعكس مستوى عالياً من الاحترافية والقدرة على الرصد والمتابعة والعمل الاستباقي، خصوصاً في ظل الظروف الحالية، حيث تبقى القدرة على الحفاظ على الأمن والاستقرار إنجازاً حقيقياً لا يمكن التقليل من قيمته.
البحرين اليوم تحتاج إلى ترسيخ مفهوم الدولة الوطنية الجامعة، التي يكون فيها الولاء للبحرين أولاً وأخيراً، بعيداً عن أي مشاريع عابرة للحدود أو محاولات لاستغلال الدين والمذهب لأهداف سياسية.
لقد أثبت البحرينيون، مرة بعد أخرى، أن وعيهم أكبر من الفتنة، وأن علاقتهم بوطنهم أقوى من كل محاولات الاختراق، وربما هذه هي الرسالة الأهم في كل ما جرى؛ أن البحرين ليست مجرد جغرافيا، بل حالة وطنية متماسكة، كلما حاول أحد العبث بها، ازدادت تلاحماً وصلابة.