أخطر ما كشفته البحرين للعالم هذه الفترة ليس تنظيماً مرتبطاً بالخارج فقط، بل مشروعاً حاول لسنوات أن يجعل من الولاء للوطن مسألة قابلة للتبديل، وأن يُعيد تشكيل الانتماء داخل المجتمع البحريني عبر التغلغل في المؤسسات الدينية والاجتماعية والتعليمية، وتوجيه المنابر والخطاب الديني لخدمة مشروع مرتبط بالحرس الثوري الإيراني وولاية الفقيه. لم يكن الهدف مجرد نفوذ سياسي، بل صناعة عقيدة ترى في الارتباط بالخارج مرجعية تعلو على الوطن لهدم مفهوم الدولة الوطنية.
الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح، أن هذا المشروع لم يكن يوماً مشروع حماية للطائفة الشيعية كما حاول أن يقدّم نفسه، بل مشروع وصاية عليها. ولهذا فإن أخطر ما كشفه بيان وزارة الداخلية لم يكن فقط الارتباط بالحرس الثوري أو التخابر مع العدو، بل ممارسة الإرهاب الفكري والاجتماعي بحق أبناء الطائفة الشيعية الكريمة أنفسهم، عبر التخويف والإقصاء ومحاولة فرض خطاب واحد ومنبر واحد واتجاه واحد، حتى بدا وكأن الانتماء الوطني تهمة، والاستقلال الفكري كُفر وخروج عن الطاعة.
ومن هنا يمكن فهم حالة الارتياح الشعبي الواسعة تجاه الإجراءات الأخيرة، بما في ذلك بين غالبية أبناء المجتمع الشيعي البحريني الذين شعروا أخيراً أن الدولة تنقذهم حين تواجه مشروعاً احتكر الطائفة وتحدث باسمها وربطها بمركز سياسي خارجي يتحرك بعقلية الولي الفقيه ومشروعه التوسّعي. فالبحرين التي آمنت دائماً بأن الوطن للجميع، لم تكن يوماً في مواجهة المعتقدات، بل في مواجهة توظيفها لخدمة أجندات عابرة للأوطان.
ومنذ أن غادر حائك السجاد الإيراني المُسنّ ورشته، واعتلى حائك العمائم منصّة الحكم في إيران، دخلت المنطقة زمن الحياكة المؤدلجة؛ حيث نُسجت العمائم بخيوط النفوذ والولاءات العابرة للأوطان.
لكن حين قالت الدولة الوطنية كفى، ارتجفت الأيدي التي حيكت بها خرائط التوسّع، وانقطعت الخيوط، وبات «حائك العمائم» اليوم يضمّد شقوق مشروعه بذات الخيوط التي حيكت بها عمائم النفوذ طويلاً، بعدما اكتشف أن النار التي أشعلها في المنطقة عادت أخيراً إلى أطراف عباءته نفسها.
ولهذا لم يكن مُستغرَباً أن تحظى البحرين بهذا الالتفاف الشعبي الداخلي، وبهذا الدعم الخليجي والعربي الواضح، لأن الجميع يدرك أن ما تخوضه البحرين اليوم ليس مواجهة عابرة، بل دفاع صريح عن مفهوم الدولة الوطنية، وعن نموذج بحريني عربي مسلم حافظ لعقود على التعايش والتنوع والانتماء العربي الجامع، في وجه مشروع حاول طويلاً أن يضع الولاء للخارج فوق الولاء للأوطان.
فيصل العلي