من خلال عملي كإعلامية على مدى سنوات؛ أجزم أن الشفافية والمصارحة مع المجتمع تمثل عنصراً أساسياً من معركة الوعي، وربما لا تقل أهمية عن أي إجراء على الأرض. من هذا المنطلق جاءت أهمية اللقاء الذي عقده معالي الفريق أول معالي الشيخ راشد

بن عبدالله آل خليفة، وزير الداخلية، مع نخبة من أبناء البحرين، في خطوة تعكس نهج الدولة القائم على التواصل المباشر، وإطلاع الرأي العام على الحقائق وما توصلت إليه التحقيقات الأمنية بكل شفافية ومسؤولية.

اللقاء كان أقرب إلى جلسة مصارحة وطنية وضعت أمام البحرينيين صورة واضحة لحجم التحديات التي واجهتها المملكة على مدى سنوات، وكيف تعاملت الدولة معها بصبر وحكمة، إلى أن وصلت لمرحلة الحزم في مواجهة من اختار الارتهان للخارج.

حديث وزير الداخلية حمل رسائل كثيرة؛ ربما يكون أهمها أن البحرين لم ولن تستهدف طائفة أو مكوناً اجتماعياً، بل كانت حريصة على احتضان الجميع تحت مظلة الوطن والقانون، لهذا جاء التأكيد الواضح بأن الطائفة الشيعية مكوّن أصيل في ماضي البحرين وحاضرها ومستقبلها، وأن شيعة البحرين أقدم من مشروع ولاية الفقيه، ومن أي محاولات لفرض الولاءات العابرة للحدود.

أهمية هذه النقطة تنبع من كونها تضع الأمور في سياقها، لأن المشكلة الحقيقية هي مع مشروع سياسي حاول منذ سنوات استغلال البعد الديني والمذهبي لخلق حالة ولاء خارج إطار الدولة، فمنذ قيام الثورة الإيرانية عام 1979، بدأت محاولات التدخل في البحرين ودول الخليج عبر تصدير فكر يقوم على تحويل الانتماء السياسي الوطني، بحيث تصبح الطاعة السياسية مرتبطة بالخارج وليس بالدولة.

ولعل أخطر ما كشفه حديث معالي الوزير هو حجم التغلغل الذي حاولت هذه التنظيمات الوصول إليه داخل مفاصل الحياة الاجتماعية والثقافية والدينية للطائفة الشيعية في البحرين، فالأمر لم يكن مجرد نشاط سياسي محدود، بل مشروع طويل الأمد سعى إلى التأثير على الوعي الجمعي، والسيطرة على المنابر الدينية، وتحويل بعضها إلى منصات للتعبئة الفكرية والتجنيد السياسي، إلى جانب محاولات اختراق التعليم والإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي.

هذا النوع من الاختراق يستهدف المجتمع، لأنه يقوم على صناعة الانقسام وزرع الشكوك وتغذية الطائفية وتحويل الاختلافات إلى أدوات صراع، لذلك فإن ما قامت به الأجهزة الأمنية على مدى سنوات يمثل عملاً طويلاً ومعقداً لحماية المجتمع البحريني.

ورغم ما كشفه الحديث بأن الدولة تعاملت لسنوات بمنهج يقوم على الإصلاح والتسامح وفتح الأبواب أمام العودة إلى الصف الوطني، إلا أن بعض التنظيمات استمرت بنهجها غير آبهة بكل فرص الإصلاح والانفتاح، لذلك كان لابد من الحزم، خصوصاً بعد أن تجاوزت الأمور حدود الاختلاف السياسي إلى تأييد الاعتداءات الإيرانية على البحرين والعمل على خدمة مشاريع معادية للدولة.

وأخيراً؛ فقد كانت رسائل وزير الداخلية واضحة بأن لا أحد فوق الدولة، ولا ولاء يعلو على الولاء للبحرين، وأمن الوطن واستقراره سيبقيان خطاً أحمر مهما كانت التحديات.