بعد 47 عاماً من الصراع مع إيران في الظل والعلن، بات من الواضح أن التعامل مع النظام في طهران وفق سياسة الاحتواء لم يعد مجدياً لحماية المنطقة واستقرارها.

النظام الثيوقراطي كان وما زال هو أكبر قوة مزعزعة للاستقرار في المنطقة منذ العام 1979، في وقت كشفت فيه الحرب الأخيرة ازدواجية المعايير التي تنتهجها إيران فيما يتعلق بالقوانين الدولية وميثاق الأمم المتحدة، إذ تطالب بتعويضات عن حرب غير قانونية كما تقول، بينما هي تمارس ما يمكن وصفه بـ»البلطجة» عبر انتهاكها حرية الملاحة البحرية ومهاجمة السفن التجارية في ممر مائي دولي يخضع لقانون أمن البحار للعام 1982.

خلال الحرب الأخيرة، تجلى التفوق العسكري الأمريكي بوضوح على المستوى العملياتي التكتيكي، إذ أظهرت الولايات المتحدة براعة عالية في اختراق البنية العسكرية والأمنية الإيرانية.

غير أن تلك النجاحات التكتيكية الساحقة لن تكتمل فصولها إلا إذا كانت الحملة العسكرية قادرة على إنهاء مصدر التهديد الإيراني لدول الخليج العربي والمنطقة بشكل كامل.

إن المشكلة في طهران لا تكمن فقط ببرنامج نووي قد يفضي لإنتاج أسلحة دمار شامل ولا حتى صواريخ باليستية؛ بل في نظام أيديولوجي قام منذ ولادته على مبدأ «تصدير الثورة» تحت شعار «نصرة المستضعفين» من خلال الاستثمار في الجهات الفاعلة من غير الدول (الميليشيات)، وزعزعة استقرار دول المنطقة، واستخدام الفوضى كأداة نفوذ إقليمي.

ومن لبنان إلى العراق، دفعت المنطقة أثماناً باهظة لهذا المشروع على كافة المستويات من السياسة إلى الاقتصاد وصولاً للأمن.

ولم يكن التدخل الإيراني في أي دولة عربية عاملاً للاستقرار، بل كان دائماً بوابة للفوضى والانقسام والانهيار، في وقت استطاعت فيه دول الخليج بأنظمتها القوية أن تتصدى لكافة التهديدات الإيرانية بنجاح، مما جعلها واحات آمنة في بيئة مضطربة.

ومع ذلك، فإن العودة إلى الحلول التقليدية عبر الاكتفاء بجولات تفاوضية متكررة، أو الرهان على تغيير سلوك النظام عبر الحملات العسكرية أصبحت غير مجدية، مما يجعل من أي استراتيجية أخرى لا تعالج البنية الأيديولوجية للنظام، وسيلة لإدارة المشكلة بدلاً من حلها.

لقد أثبتت التجربة أن النظام الإيراني الراديكالي لا يتراجع حتى تحت الضغط الحقيقي، وأنه يستغل أي مساحة زمنية لإعادة التموضع وترميم قدراته ومواصلة مشروعه التوسعي بلا مواربة.

وبالتالي، فإن الولايات المتحدة التي دخلت هذه الحرب لمنع التهديد الإيراني، تقع على عاتقها مسؤولية إنهاؤه من جذوره.

لذلك، فإن المنطقة لا تحتاج إلى هدنة مؤقتة مع طهران ولا أنصاف حلول تضعها في مناطق رمادية غير واضحة المعالم، بل تحتاج نهاية حقيقية لمشروع عكف على زعزعة استقرار الشرق الأوسط لعقود طويلة، وتأسيس قاعدة صلبة لبرنامج تنموي حقيقي يستفيد منه الشعب الإيراني المسحوق.

إن الولايات المتحدة وحلفاءها الغربيين يمتلكون القدرة على اتخاذ مسار الحل الحاسم إذا توفرت الإرادة السياسية والرؤية الواضحة لإنهاء واحدة من أخطر التهديدات التي عرفتها المنطقة وعرقلت مشاريعها التنموية.