تعبير يعني «لا نجرأ» بلهجة بعض القرى الشيعية، سمعته مرات عديدة من كتاب أو نشطاء أو نواب من سكان القرى كانوا ضيوفاً في برنامج كلمة أخيرة في تلفزيون البحرين.
في استضافات عديدة لشخصيات عامة في البرنامج كنت أحاول أحياناً استخلاص كلام يدار في مجالس بحرينية يتشارك فيها سنة وشيعة تقوله تلك الشخصيات، عن حقيقة العلاقة بين الشيعة والدولة، وأثر العمائم الولائية على تلك العلاقة، وأثر التضليل والإسقاطات التاريخية والشحن على مستقبل الأجيال.
حاولت أن أشجع العديد من الشخصيات أن يعيد ما يقوله، في المجالس أو حتى ما يدور أثناء الإعداد للحلقة ووراء الكاميرا وأظهره على التلفزيون، بل إنه في مرة من المرات استضفت كاتباً مرموقاً أصدر كتاباً به من التصريحات التي تدور في المجالس الثقافية حول الذهنية والإسقاطات التاريخية وأثرها على تلك العلاقة المشوبة بالحذر بين السلطة والشيعة وفشلت، فكان يلف ويدور على الإجابات متجنباً القول شفاهة بما جاء كتابة، والبرنامج كان يبث مباشراً، وحين انطفأت أضواء الاستوديو ومعها انطفأت الكاميرا لمته على تحفظه ولفه ودورانه وعدم إجابته إجابة واضحة كما جاء في كتابه بقلمه ولسانه، فكانت الإجابة «أستاذة ما ننوس» الكتاب هو موضوع تداول النخبة التي تتفق معي، لكن التلفزيون يصل إلى كل بيت وأنت ستذهبين لبيتك بعد البرنامج، إنما أنا سأعود لقريتي وبيتي وهناك سيصلون لعائلتي وأسرتي وسيارتي و..و..!!
أتفهم جيداً هذا الخوف وهذا التردد، فالتجارب التي عايشها أهالي القرى مع كل مخالف في الرأي تجعل أي رأي يتردد ألف مرة.
ألم تهاجم أسر وبيوت، وحرقت ممتلكات وعزل وأقصى ناس وعوائل؟ هل ينكر أحد ذلك؟
كلنا نعرف أن العديد من شيعة القرى تركوا منازلهم القديمة، واشتروا في مكان قصي، هرباً من التحكمات وبعضهم حفاظاً على أبنائهم كما سمعتها من أكثر من أم (أريد أن أحفظ مستقبل ابني بعيداً عن تأثيرهم.. أريد أن أجعله يركز على دراسته ونشاطه، ويهتم بمستقبله وهذا لن أتمكن منه إن بقيت في القرى التي يسيطرون عليها تماماً).
سيطرة العمائم الولائية على سكان القرى أمر لا يمكن إنكاره أبداً وإلا دخلنا في مرحلة الضحك على الذات، ومن المؤسف أن نقول إن الدولة ساهمت بصبرها وحلمها بتمدد تلك السيطرة والهيمنة للعمائم الولائية حتى على غيرها من العمائم، حين أحجمت عن التدخل لفرض قانونها بحجة عدم المساس بالخصوصية المذهبية، فعملت من حيث لا تقصد على خلق دولة داخل الدولة، وهذا أيضاً حقيقة لا يمكن إنكارها أي شيعي.
أما القائل إن الخوف كان من رجال السلطة لا من العمائم في السنوات السابقة، فهذا قول حق أريد به باطل، كما يقال، من قال ومن سمع ومن قرأ يعرفون أن دخول رجال الأمن للقرى للقبض على الشباب هناك لا أحد ينكره، إنما السكوت عن الأسباب والدوافع التي أدت لهذا الدخول هو التدليس، وتصوير الأمر بأن الشرطة كانت تداهم القرى؛ لأنها تعادي أهل البيت هو الجريمة الكبرى التي ارتكبت طوال تلك السنوات بالتضليل مع سبق الإصرار والترصد.
الامتناع عن ذكر الأسباب الحقيقية لدخول رجال الأمن للقرى، أو التهوين من المخالفات والجرائم التي يرتكبها شباب القرى ومن ثم هروبهم لداخل القرى وبسبب ذلك يجبر رجال الأمن على التدخل، جريمة في حق الشباب وأهل القرى.
في أي دولة يتدخل رجال الأمن، ويقبضون على أي مخرب متصادم مع رجال الأمن، إنما هو هذا التدليس هو ديدن خطابهم، هذا الكذب والتضليل بإظهار نصف الصورة والتضليل على النصف الآخر هو أداة من أدوات الكذب ولي الحقائق وتطويع الوقائع لصالح روايتهم.
الحقيقة التي يعرفون أنه بعد أن تشحن «عمامة» تابع إيران أو وكيل ولي الفقيه عقول الشباب في دور العبادة، بعد أن يصوروا الأمر للشباب بأن مواجهة رجال الأمن شرف وجهاد ديني واصطفاف في معسكر الحسين عليه السلام، وبعد إقناع الشاب الشيعي بأن رجال الأمن هم معسكر يزيد وهم مغتصبون وهم طغاة، يخرج الشاب من عندهم مشحوناً، فيتصادم مع رجال الأمن، بعد ذلك فقط يدخل رجال الأمن للقبض على هذا الشاب الذي حرضته تلك «العمامة».
وحينها يبدأ دور الإعلام المضلل، فتسير الركبان برواية المظلوم المعتقل الأسير والتبريرات التي أصبحت أضحوكة، ونالت من السخرية ما نالت إنه كان في طريقه إلى الخباز حين قبض عليه، تبدأ موجة الصياح والنياح والاستنجاد بالقوى الناعمة الغربية وحقوق الإنسان و.. و.. و.. بقية القصة المعروفة، وهذا السيناريو المتكرر منذ الثمانينات إلى ما قبل فبراير 2026، وراح ضحيته مئات إن لم يكن آلاف الشباب البحريني، والقول بأن هناك خوفاً من الأمهات من رجال الأمن في القرى، قول يخفي نصف الحقيقة، يصور الأمر أن المقبوض عليهم كانوا فعلاً عند الخباز حين قبض عليهم، وكانوا نائمين غافلين وفجأة قررت الدولة إلقاء القبض عليه و(أسره)!!
عالجت الدولة هذه الأزمة طوال الفترة السابقة على مستوى الأدوات التحريضية، تعاملت طوال تلك السنوات مع الوقود لا مع شرارة الإيقاد، لذلك لا ألوم من قال (ما ننوس) طوال السنوات السابقة فالرؤوس المحرضة كانت في أمان طوال تلك الفترة تحرق من يجرؤ على قول الحقيقة.هذا هو واقع الحال منذ الثمانينات إلى مايو 2026.
ونكمل في مقال الغد عن الحال بعد مايو 2026.