في قطاع الأعمال، وبشكل خاص في الشركات الناشئة، يتجاوز العمل الخاص كونه مجرد وسيلة لكسب الرزق ليصبح شغفاً حقيقياً وأسلوب حياة، ورسالة يلتزم بها صاحب العمل. إن شخصية رائد ورجل الأعمال الحقيقي تتجسد في الإصرار والتحدي، وفي الإيمان العميق بأن هذا البزنس هو المصير والغاية، وليس مجرد محطة مؤقتة أو حالة عابرة بانتظار معجزة أو وظيفة ثابتة. وفي أوقات الأزمات والتقلبات الاقتصادية، يصبح الهدف الأسمى والأهم لكل منشأة هو الصمود والاستمرارية بأي ثمن، وعدم الخروج من السوق؛ لأن البقاء في الميدان هو أولى خطوات التعافي والنجاح المستقبلي.
لتحقيق هذا الصمود، تركز الشركات على استراتيجيات مرنة تعتمد على الصبر أولاً، وإعادة ترتيب الأولويات الداخلية ثانياً. تبدأ هذه الخطوات من خلال إدارة التدفقات النقدية بحذر شديد، وضغط المصاريف التشغيلية غير الضرورية، وإعادة التفاوض مع الموردين والمؤجرين لتقليل الكلف الثابتة. إن الصبر في هذه المرحلة ليس استسلاماً، بل هو إعادة تموضع ذكية وتطوير لأدوات العمل والخدمات بما يتوافق مع متطلبات السوق الحالية، مع اليقين التام بأن من يصبر الآن، ويتحمل ضغوط الأزمة سيخرج منها أكثر صلابة، وأقوى قدرة على التوسع عندما تنقشع السحابة الاقتصادية.
في البحرين لا تقف الشركات الصغيرة والمتوسطة وحدها في هذه المواجهة، إذ يرتكز القطاع الخاص هنا على منظومة دعم رسمية قوية؛ حيث وقفت الحكومة دائماً إلى جانب القطاع الخاص باعتباره المحرك الأساسي للاقتصاد الوطني. ويتجلى هذا الدعم بشكل ملموس من خلال "صندوق العمل (تمكين)"، وقد رأينا مؤخرا "برنامج مساندة" وحزم الدعم المستمرة التي تم تصميمها خصيصاً لمساعدة المؤسسات على تغطية كلفها التشغيلية، وتطوير مهارات كوادرها، وضخ السيولة اللازمة لضمان استمرارية الأعمال دون توقف.
إلى جانب الدعم الحكومي، يبرز دور القطاع المصرفي كشريك أساسي في تجاوز هذه التحديات؛ حيث أبدت البنوك والمصارف البحرينية مرونة واضحة في التعامل مع رواد الأعمال من خلال تأجيل الأقساط وإعادة جدولة القروض والتسهيلات الائتمانية. هذا التناغم بين إصرار رائد العمل، والدعم الحكومي عبر تمكين، وتسهيلات البنوك، يشكل شبكة أمان متكاملة تضمن للمؤسسات البحرينية الصغيرة والمتوسطة ليس فقط البقاء في السوق، بل والتأسيس لانطلاقة أقوى وأكثر استدامة في المستقبل.
لكن لا الحكومة ولا البنوك ولا الأهل والأصدقاء سيقومون بالدور الأساسي المطلوب من رائد العمل وصاحب العمل، فالعبء الأكبر والشرارة الأولى تنطلق دائماً من الذات. إن كل حزم الدعم والتسهيلات المالية ما هي إلا أدوات مساعدة، ولن تصنع فارقاً إن لم تجد وراءها عقليّة صلبة تؤمن بأن "البزنس" مسؤوليتها الشخصية الأولى والأخيرة. رائد العمل هو قبطان السفينة؛ هو من يملك الرؤية، وهو من يقرر الصمود في وجه العاصفة أو الاستسلام لها. الأزمات تغربل الأسواق، ولا يبقى فيها إلا من كان الصبر والمسؤولية الشخصية أهم أصوله التجارية.