في لحظة يأس سياسي وتخبط استراتيجي، لم يتردد النظام الإيراني في تحويل أهم شريان مائي للاقتصاد العالمي إلى ورقة ابتزاز رخيصة، ليثبت للعالم أجمع أنه يتصرف كـ«كيان مارق» يهدد الأمن والسلم الدوليين. فمنذ بدء تصاعد الأحداث في 28 فبراير الماضي كأولى خطوات تقييد الملاحة، وصولاً إلى الإعلان الرسمي للحرس الثوري في 4 مارس بالسيطرة والإغلاق الكامل لمضيق هرمز أمام السفن، بدا واضحاً أن طهران تلعب بورقة «الانتحار الاستراتيجي». غير أن هذه المقامرة المتهورة سرعان ما اصطدمت بحائط الحزم الدولي، بدءاً من الحصار المضاد في منتصف أبريل، وصولاً إلى إطلاق عمليات بحرية حازمة في مايو لإجبار طهران على التراجع، مما يؤكد أن سياسة ليّ الأذرع وخنق المضايق لم تجلب للنظام الإيراني سوى المزيد من العزلة وتضييق الخناق على عنقه.

إلا أن هذا السلوك الإيراني العدائي لم يكن مجرد استعراض عسكري، بل كان منذ اللحظة الأولى يهدف إلى خلق حالة من «الشلل المتعمد» في حركة الملاحة الجوية والبحرية في الخليج العربي. هذا الوضع لم يكن نتيجة عرضية للحرب، بل كان حصاراً اقتصادياً ولوجستياً متعمداً يهدف إلى خنق شرايين الحياة اليومية والتجارية لدول الجوار، في سياسة «عقاب جماعي» تعري تماماً زيف ادعاءات طهران، وتؤكد سعيها لأخذ أمن واقتصاد شعوب المنطقة كرهينة.

واليوم، ونحن نتحدث بلغة الأرقام القاطعة، يمر 80 يوماً منذ اندلاع الأزمة، و 75 يوماً على إعلان طهران قرصنتها التعسفية وإغلاق المضيق بوجه حركة السفن. هذه الأيام حملت معها ضرراً بالغاً لاقتصاديات دول الخليج جراء الشلل التام في حركة الاستيراد والتصدير. لقد استهدف هذا «الإرهاب الاقتصادي» الإيراني بشكل مباشر عصب الدخل القومي لدولنا، وعلى رأسها صادرات النفط، والصناعات البتروكيماوية، والصلب، والألمنيوم، والتي تشكل الركيزة الأساسية للتنمية والمداخيل في منطقتنا.

ولكن في خضم هذه العاصفة العاتية، برزت مملكة البحرين كنموذج استثنائي في المرونة الاستراتيجية وإدارة الأزمات. فبفضل التوجيهات السديدة لحضرة صاحب الجلالة الملك المعظم حفظه الله ورعاه، والمتابعة الحثيثة والإدارة الفذة لسمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء و«فريق البحرين»، تمكنت المملكة من العبور الآمن فوق أمواج هذه الأزمة. لقد أرست القيادة دعائم الأمان الاقتصادي ومحت آثار توقف الشريان البحري عبر حلول عبقرية، منها تعزيز الشراكات الأخوية لتنشيط «الخطوط البرية» لسد أي فجوة في سلاسل الإمداد.

كما تجلت حنكة الدولة وعمق تحالفاتها في الخطوة الاستراتيجية الاستباقية التي نفذتها شؤون الطيران المدني والناقلة الوطنية «طيران الخليج» في العاشر من مارس. فمع إغلاق المجال الجوي، تم بنجاح تنسيق إعادة تموضع طائرات الركاب والشحن، ونقل العمليات التشغيلية بمرونة فائقة إلى «مطار الملك فهد الدولي بالدمام» في الشقيقة المملكة العربية السعودية، وتسيير رحلات حيوية ربطت المملكة بالعالم. هذه الخطوة التشغيلية المدروسة ضمنت استمرارية وانسيابية العمليات الجوية وسلاسل الإمداد، وبعثت رسالة طمأنينة عميقة للمواطنين والمقيمين بأن تدفق الاحتياجات اليومية سيستمر دون أي نقص أو خلل.

ولعل الدليل الأقوى والبرهان الساطع على نجاح هذه الرؤية الاستباقية، يتجلى في متانة الاقتصاد البحريني الذي يواجه اليوم، وبكل كفاءة، أكبر تحدٍ قد يمر عليه في تاريخه الحديث والمتمثل في اندلاع الحرب الإقليمية وإغلاق أهم ممر ملاحي واقتصادي في العالم. فبالرغم من شراسة هذه العاصفة، لا يزال بنياننا الاقتصادي متماسكاً وقوياً، وهو ما عكسته بشفافية ووضوح النتائج المالية الفصلية للربع الأول من هذا العام التي أعلنت عنها كبرى الشركات والمؤسسات والبنوك الوطنية في المملكة. إن هذه المؤشرات الإيجابية والأرقام المطمئنة التي تحققت في ذروة الأزمة، لا تثبت فقط صلابة البنية التحتية الاقتصادية للبحرين، بل تؤكد بشكل قاطع أن الإدارة الحكيمة للأزمة نجحت في عزل السوق المحلي عن تداعيات الشلل الخارجي، وحافظت على عجلة الإنتاج والنمو.

إن الدرس الأهم الذي سيسجله التاريخ في هذه الأزمة هو أن مملكة البحرين، بتكاملها الفريد وتكاتف قيادتها الحكيمة مع مجتمعها الواعي، قدمت للعالم نموذجاً حياً لقوة الدولة وتماسك جبهتها الداخلية. إن هذا التلاحم العضوي، المبني على الثقة المطلقة والتقدير المتبادل، هو الصخرة الشامخة التي تتحطم عليها دائماً أشرس، وأقذر مؤامرات النظام الإيراني الخائن. لتبقى البحرين، قيادة وشعباً، قلعة حصينة لا تزيدها الأزمات إلا منعةً وقوةً واستقراراً.