اليوم، وبعد كل ما مرت به البحرين من اعتداءات ومحاولات اختطاف لإرادتها الوطنية، لم يعد أمامنا إلا خيار واحد، وهو أن تعود البحرين وطناً يعيش فيه الجميع بسلام وأمان واستقرار، بعيداً عن كل مظاهر الترويع والسطوة الفكرية والتنظيمية التي مورست لسنوات طويلة باسم «ولاية الفقيه» وباسم شعارات سياسية ودينية استهدفت تمزيق المجتمع وإدخال الناس في دوامات الخوف والاحتقان والكراهية.
دفعت البحرين ثمناً كبيراً نتيجة مشاريع الفوضى والتحريض، وعانى كثير من الأهالي في بعض القرى والمناطق من واقع مؤلم لا يمكن القبول بعودته مرة أخرى. طرقات تُغلق بالإطارات المشتعلة، ومواجهات تُفتعل بشكل متعمّد مع قوات الأمن، وشباب يتمّ استغلالهم وزجّهم في أعمال عنف وتخريب لا تخدم أهل البحرين ولا مستقبلهم، بل تخدم فقط مشاريع خارجية أرادت تحويل بلادنا إلى ساحة صراع وفوضى.
كم من عائلة عاشت الخوف بسبب أعمال التخريب؟! وكم من طفل نشأ على الحرائق والمواجهات بدلاً من أن يعيش طفولته في بيئة آمنة مستقرة؟! وكم من إنسان تعطّلت مصالحه ورزقه بسبب ثقافة الفوضى والتحريض المستمر؟!
اليوم يجب أن ينتهي كل ذلك بلا رجعة.
يجب أن تعود القرى والمناطق البحرينية إلى أماكن طبيعية يعيش أهلها فيها بسلام، يذهب فيها الناس إلى أعمالهم ومدارسهم وأسواقهم دون خوف أو توتر أو قلق. يجب أن يكبر الأبناء في بيئة تعلمهم حب البحرين والعمل والنجاح والعلم، لا ثقافة الكراهية والولاءات العابرة للحدود.
البحرين تصدّت وستتصدّى بقوة إلى أصوات التحريض، لكنها دائماً ستحتاج إلى أصوات البناء. ستحتاج إلى شباب يفكّر بالمستقبل، بالعلم، بالاقتصاد، بالابتكار، وبصناعة حياة أفضل لهم ولعائلاتهم. ستحتاج إلى مجتمع متماسك يرى في اختلافه مصدرَ قوة، لا ساحةً للصراع والاستغلال السياسي.
اليوم يجب أن يعود البحرينيون جميعاً إلى صوتهم الوطني الواحد، إلى فكرة أن هذا الوطن يتسع للجميع، وأن الانتماء الحقيقي يجب أن يكون للبحرين أولاً وأخيراً، بعيداً عن أي مشاريع خارجية حاولت استغلال المذهب والدين لخدمة أجنداتها الخبيثة.
أثبتت السنوات الماضية أن الفكر الولائي لم يجلب للناس سوى الخوف والانقسام وتعطيل الحياة. بينما البحرين، حين تستقر وتهدأ، تكون قادرة على البناء والتطوّر وصناعة المستقبل الأجمل لأبنائها جميعاً دون استثناء.
ما بعد الحرب والاعتداءات الإيرانية وما بعد إسقاط الخلايا الإرهابية، يجب أن تكون مرحلة مختلفة تماماً في تاريخ البحرين؛ مرحلة عنوانها الأمن والاستقرار والتنمية والانفتاح الوطني الحقيقي.
يجب أن تكون البحرين بعد هذه المرحلة أكثر قوة وثقة بنفسها، وأكثر قدرة على حماية مجتمعها من أي اختراق فكري أو تنظيمي يستهدف وحدتها الوطنية. ويجب أن يشعر كل بحريني، مهما كان مذهبه أو منطقته، أن الدولة تحميه وتصون كرامته وحقه في أن يعيش آمناً مستقراً، بعيداً عن أي ترهيب فكري أو اجتماعي.
كما يجب أن تتحول هذه المرحلة إلى فرصة لإعادة بناء الوعي الوطني لدى الأجيال الجديدة، بحيث يدرك الشباب أن مستقبلهم الحقيقي في التعليم والعمل والإبداع والمشاركة في نهضة وطنهم.
البحرين تستحق أن تكون نموذجاً للاستقرار والتعايش والتنمية، تستحق أن يعيش أهلها حياة طبيعية هادئة، ينشغل فيها الناس ببناء بيوتهم ومستقبل أبنائهم وتحقيق طموحاتهم، وأن يبتعد عنهم شعور الخوف من التحريض والتخوين.
اليوم البحرين أمام فرصة تاريخية لتجاوز كل جراح الماضي، ولبناء مرحلة وطنية جديدة يكون عنوانها الصريح بأنه لا مكان بعد اليوم لأي مشروع يخطف الناس باسم الدين أو المذهب أو السياسة.
هذه الأرض لأهلها، وهذا الوطن للجميع، ومستقبل البحرين يجب أن يُبنى بسواعد أبنائها المخلصين، وبوحدتهم الوطنية، وبإرادتهم الحرة التي لا تخضع إلا لمصلحة الوطن وشعبه.