مازال الحديث يدور في المجالس هذه الأيام عن لقاء معالي وزير الداخلية الفريق أول الشيخ راشد بن عبدالله آل خليفة مع عدد من أبناء البحرين، والذي حمل رسائل وطنية واضحة في توقيت حساس تمر به المنطقة.
وبصراحة، لفت انتباهي وانتباه الكثيرين الأداء الخطابي الذي ظهر به معاليه خلال حديثه. فالكلمة التي ألقاها تعد نموذجاً واضحاً لما يُعرف في علوم الاتصال بـ«الخطاب القيادي المؤثر»، القائم على وضوح الرسالة، والقدرة على الإقناع، والاتصال العاطفي المباشر مع الجمهور.
كما أن الحديث الارتجالي المصاحب للكلمة جاء مؤثراً، وأظهر مستوى عالياً من «الطلاقة الخطابية»، وهي مهارة أساسية في القيادة والإعلام السياسي، خصوصاً عندما تكون الرسائل مرتبطة بالأمن الوطني والوعي المجتمعي.
اللافت أيضاً ما يسمى في الإعلام بـ «الحضور الكاريزمي»، حيث ظهرت الثقة والثبات والحزم في نبرة الصوت، وتعابير الوجه، وطريقة الانتقال بين الأفكار دون تردد، مع وجود وقفات صمت قصيرة بين فكرة وأخرى تلفت الانتباه، وترفع مستوى التركيز.وقد نجح معاليه في توظيف اللغة التي تجمع بين الوضوح في التعبير، والصراحة في الطرح، والقدرة على بث الطمأنينة، مع إيصال رسائل حازمة في الوقت ذاته. فمثلاً، استخدامه لعبارة: «كل شيء له حد...!» جاءت لتنهي أي محاولة للجدل أو التشكيك في الإجراءات الأخيرة التي اتخذتها الدولة.
كما أن حديث معالي وزير الداخلية الذي وضع النقاط على الحروف حول الإجراءات الأخيرة التي تضمنت القبض على ٤١ من أعضاء المجلس العلمائي المنحل بسبب ارتباطهم بالحرس الثوري الإيراني والترويج لأفكار ولاية الفقيه، إضافة إلى إسقاط الجنسية عن ٦٩ شخصاً ثبتت بحقهم تهمة الخيانة والتعاطف مع الاعتداءات الإيرانية الآثمة على البحرين، كان رسالة واضحة بأن أمن الوطن وسيادته خط أحمر لا يقبل المساومة أو التهاون.الحديث جاء خالياً من المجاملات، وقريباً من وجدان الشارع البحريني، وكأنه ينقل كلام الناس الذي يُتداول في المجالس وبين المواطنين، وهو ما منح الجلسة تأثيراً ملحوظاً على النفوس، ورسّخ شعوراً بأن هناك مصارحة مباشرة مع المجتمع بعيداً عن اللغة الرسمية.
كما أن استحضار الحقائق التاريخية وربطها بالواقع الحالي عكس قدرة على بناء «السردية الوطنية»، وهي من أهم أدوات الاتصال الإستراتيجي الحديثة في مواجهة حملات التأثير والاستقطاب. وما أحوجنا اليوم إلى سردية وطنية تؤكد نجاحاتنا المتعددة وتسامحنا المشهود وإيماننا الراسخ بضرورة التعايش السلمي، وتفند الأكاذيب، وتواجه الروايات المشوهة التي يتم تداولها بين بعض الفئات دون أي أساس من الصحة. بالمختصر، نحن بحاجة إلى رواية خاصة بالبحرين تدرس في المدارس ويتداولها الصغير والكبير تعالج الفكر السلبي الذي طغى عند البعض لسنوات بسبب تأثره بخطاب مستورد.
ومن النقاط اللافتة أيضاً، أن المكان الذي عُقد فيه اللقاء جاء بعيداً عن المظاهر البروتوكولية المكثفة، وهو ما أعطى انطباعاً بالبساطة، وسهل من التركيز على المحتوى والخطاب. كما ضم اللقاء العشرات من ممثلي المجتمع والشخصيات البارزة، إلى جانب المحافظين وبعض كبار الضباط في وزارة الداخلية، ما منح المشهد طابعاً وطنياً جامعاً.
وفي اعتقادي، فإن الكلمة والحديث الذي تلاها كانا من أبرز النجاحات الإعلامية في الفترة الأخيرة، ليس فقط بسبب أهمية الرسائل التي حملتها، بل أيضاً بسبب الطريقة التي قُدمت بها، والتي جمعت بين الحزم، والوضوح، والقدرة على الوصول المباشر إلى الناس.