(وين مكّي؟).. لم تكن عبارة نطق بها أقارب الزميل الصحافي الراحل مكي حسن العكري، ولم تكن مناداة صادرة ممن افتقدوه قبل أيام.
(وين مكّي) عبارة ما تزال عالقة في ذاكرة الكثيرين، يتذكرها أغلب الصحفيين والإعلاميين.
وقد سُمِعَت هذه العبارة خلال أحد احتفالات البحرين بـ (اليوم العالمي للصحافة) التي أقيمت في فندق ريتز كارلتون برعاية رئيس الوزراء الراحل صاحب السمو الملكي الأمير خليفة بن سلمان آل خليفة (أبو علي)، رحمه الله وطيب الله ثراه، الذي عُرِفَ عنه أنه يكنّ كل المودة والتقدير لعموم الصحفيين والإعلاميين على اختلاف أطيافهم.
(وين مكي؟).. عبارة قالها الراحل (أبو علي) وهو يسأل الحضور من حوله من الصحفيين والإعلاميين عن الصحافي مكي حسن العكري، ابن قرية سترة التي كان سموه يحبها ولطالما لاطف أهلها وناسها، حيث كان سموه على علمٍ ومتابعةٍ ودرايةٍ بمدى اجتهاد الصحافي مكّي وتغلغله بقلمه في عمق قضايا المجتمع، وتفرده بلقاءاته المتميزة التي كان يجريها مع الناس البسطاء وأصحاب المحلات البسيطة، وكانت تنشرها (أخبار الخليج)، وسموه طبعاً كان المتابع الدقيق لكل ما تتضمنه الصحافة المحلية من قضايا وتحقيقات ومقالات وهموم الشأن المحلي.
خلال ذلك الاحتفال بيوم الصحافة العالمي كنت أنا والعديد من زملاء المهنة، قد سمعنا أبو علي يسأل: (وين مكّي؟).. ليلتفت الحاضرون يمنة ويسرة لتنبيه الزميل بأن سمو الأمير يسأل عنه، ليجيء مكّي متقدماً الصفوف ليصافح سمو الأمير خليفة الذي شدّ على يده، وراح مكي يتحدث معه بكل أريحية وبكل ودّ.
وفي هذا السياق، لا ننسى حينما اشتد المرض قبل سنوات بالدكتور محمد جابر الأنصاري، أن حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم قد قام في لفتة سامية بعيادة الأنصاري في منزله للسؤال عنه والاطمئنان عليه، في بادرة إنسانية نبيلة عكست لفتة سامية من لدن جلالته تجاه أحد أبناء البحرين المخلصين.
وفي هذا السياق الإنساني الجميل، تستحضرني حكاية مشابهة، سمعتها وبعض زملاء المهنة في منتصف التسعينيات (خلال تغطيتنا لأخبار جلسات مجلس الشورى).
والحكاية رواها لنا سمو الأمير خليفة بن سلمان آل خليفة عن والده الراحل المغفور له بإذن الله تعالى صاحب العظمة الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة، رحمه الله وطيب الله ثراه، الذي كان لديه فلاح من أحد أبناء قرى البحرين يعمل معه لسنوات في فلاحة بستان الحاكم، وحدث ذات يوم أن مرض الفلاح، ولم يتمكن من الحضور للعمل في بستان الحاكم، فما كان من عظمة الشيخ سلمان إلا أن شعر بذلك، حيث افتقد العامل الفلاح الذي كان عظمته يلاطفه ويحادثه كل صباح، وراح يسأل عنه، وصار يطمئن عليه أولاً بأول إلى أن تعافى وعاد الفلاح - ابن القرية - إلى عمله المعتاد.
هكذا هي البحرين الأصيلة، كانت وستبقى دائماً قوية بتماسك حكامها وشعبها وناسها على امتداد مدنها وقراها، بما يشكل اللحمة الوطنية المعهودة التي تميز دائماً كيان البحرين المتجذر بالأصالة والمتانة.