تواصل إيران طرح تصوراتها المتعلقة بمضيق هرمز، ليس بوصفه مجرد ملف أمني طارئ، بل باعتباره جزءاً من رؤية أشمل في إعادة التعريف بتوازن القوة إقليميا.

وتزداد أهمية هذا الطرح في ضوء ما يصاحبه من إشارات متكررة إلى إمكان إعادة تنظيم المرور في المضيق وفق ترتيبات جديدة، تُطرح أحياناً في سياق حديث عن تفاهمات إقليمية، بما في ذلك ما نُسب إلى مشاورات مع سلطنة عُمان، رغم ما صدر عن مسقط من نفي واضح في هذا الشأن.

وفي بيئات تتسم بالسيولة العالية ذات التأثير الاستراتيجي، كما هي الحال في مرحلة «اللا حرب واللا سلم»، تميل القوى الأكثر قدرة على الصبر المؤسسي والتوظيف الأمثل لعامل «الوقت» سياسياً، إلى تحسين شروطها التفاوضية، وهو ما يبدو أن طهران تسعى إليه بقدر ملحوظ.

ومستفيدة كذلك من محدودية الخبرة التفاوضية لدى إدارة الرئيس ترامب في التعامل مع تعقيدات المجال الخليجي وتشابكاته التاريخية والجيوسياسية.

في هذا السياق، تبرز ملاحظة جوهرية مفادها أن دول المنطقة قد تجد نفسها في موقع الطرف الأكثر تحملاً للكلفة السياسية والمعنوية، حتى في حال أفضت المسارات التفاوضية إلى استعادة شكلية للأوضاع السابقة للحرب.

ذلك أن الخبرة التاريخية تشير إلى أن القضايا التي تُحسم أو تُدار وفق موازين القوة لا تعود بسهولة إلى نقطة الصفر، كما أن التسويات المؤقتة لا تعني بالضرورة انتهاء النزاع حول المبادئ الحاكمة لها.

ولعل قضية الجزر الإماراتية المحتلة يقدم مثالاً دالاً على ذلك، إذ لم تُظهر إيران، في مختلف مراحلها السياسية، استعداداً حقيقياً للانخراط في معالجة تفاوضية أو تحكيمية في هذا الملف.

ومن ثم، فإن أي تهدئة أو إعادة تنظيم لحركة الملاحة في مضيق هرمز لا ينبغي أن تُفهم تلقائياً باعتبارها نهاية للطموح الإيراني في تكريس دور سياسي أو سيادي متقدم في هذا الممر الحيوي، بل ربما تمثل إعادة تموضع ضمن مقاربة طويلة المدى تتجاوز طبيعة النظام السياسي القائم إلى ما يمكن وصفه بثوابت الدولة ضمن مجالها الاستراتيجي.

وانطلاقاً من ذلك، تبدو الحاجة ملحة إلى إعادة النظر في مفهومي الأمن القومي وإدارة الأزمات ضمن الإطار الخليجي، على نحو يراعي وحدة المجال الجغرافي وتشابك المصالح وترابط الخبرة التاريخية بين دول المجلس.

فمضيق هرمز لا يمكن مقاربته باعتباره شأناً محلياً يخص دولة بعينها، لأن تداعياته تمس بصورة مباشرة الأمن الاقتصادي والسياسي والاستراتيجي لبقية دول المجلس، بل وللاقتصاد الدولي كذلك.

ومن هنا، فإن الاقتصار على تفسيرات ضيقة للسيادة الوطنية في القضايا ذات الأثر الجماعي قد يفضي إلى إضعاف القدرة الخليجية على بناء استجابة متماسكة وفعالة في احتواء وإدارة الأزمات.

بل والأجدر، من المنظور الاستراتيجي، هو تطوير مقاربة جماعية متكاملة توازن بين الاعتبارات السيادية لكل دولة وبين متطلبات الأمن الإقليمي المشترك، بحيث تُدار الأزمات الكبرى من خلال رؤية مؤسسية موحدة لا من خلال تقديرات منفردة.

وفي موازاة ذلك، من المهم إدراك أن المجتمع الدولي يبني مواقفه إزاء الأزمات استناداً إلى اعتبارات المصالح والواقعية السياسية وأدوات التقدير القانوني والمؤسسي، أكثر مما يبنيها على الاعتبارات المعنوية أو الرمزية والأخلاقية.

فالممارسات الدولية كثيراً ما تكشف عن فجوة بين الخطاب المعلن والسلوك الفعلي، كما يتضح في بعض المواقف الأوروبية التي دعمت من حيث المبدأ خطوات تتعلق بالاعتراف بفلسطين، لكنها تعاملت داخلياً بصرامة قانونية وأمنية مع مظاهر التضامن الشعبي مع غزة.

وليس هذا التباين سوى تعبير عن منطق الدولة في تغليب حسابات الاستقرار والمصلحة على الاعتبارات الأخلاقية المجردة. وبالقياس إلى ذلك، فإن أي مقاربة دولية لمسألة السيادة أو الإدارة في مضيق هرمز ستظل محكومة بميزان النفوذ والقدرة على التأثير في المعادلة الإقليمية.

وفي هذا الإطار، لا تزال إيران تحتفظ بأدوات تأثير معتبرة في عدد من الساحات العربية، ولا سيما في لبنان والعراق واليمن، بما يتيح لها الاستمرار في لعب دور وازن في إعادة تشكيل المسارات التفاوضية، كما توحي بذلك التحركات السياسية الجارية من إسلام آباد.

إن التقدير الاستراتيجي للموقف يقتضي، في ضوء ما سبق، أن تنتقل دول الخليج العربية من موقع التفاعل مع التطورات إلى موقع المبادرة في صياغة مقاربة جماعية أكثر تماسكاً ووعياً بالتحديات المستقبلية.

فالتنافس حول مضيق هرمز لا يقتصر على كونه خلافاً ظرفياً حول ترتيبات الملاحة، بل يرتبط بإشكاليات أعمق تتصل بتعريف السيادة، وبنية الردع، وحدود الأمن الإقليمي.

ومن ثم، فإن بناء موقف خليجي موحد، مؤسس على فهم دقيق للتاريخ والجغرافيا وقواعد التفاوض الدولي، يظل الخيار الأكثر اتساقاً مع متطلبات المرحلة، والأقدر على حماية مصالح دوله في مواجهة التحولات الجارية.