يقف غداً حجاج بيت الله الحرام على جبل عرفات رافعين أيديهم بالدعاء مخلصين لله الدين، راجين رحمته وعفوه ومغفرته ورضوانه. كتب الله لجميع أمة المسلمين هذا الأجر العظيم، وجعلنا جميعاً من السعداء في يوم الدين برحمة رب العالمين.

كل عام والبحرين بخير دائماً بما أنعم الله عليها من خير كثير نعيش ونرفل فيه كل لحظة، وما كان لنا أن نحظى بذلك إلا بفضل من صاحب الفضل العظيم رب العالمين الذي قسم لنا هذا الخير عند بداية الخلق وأدامه علينا لقرون وأعوام. ندعوه مبتهلين أن يحفظ لنا تلك النعمة على مر السنين، وإلى يوم أن تقوم الساعة.

لاشك أن هناك من بين الـ4600 حاج من البحرين يقفون غداً على هذا الموقف العظيم، ويخصّصون من دعائهم جزءاً كبيراً في أن يحفظ الله وطنهم من كل سوء وأن يُبعد عنه كل شر أُريد به. وأكاد أجزم بأنهم جميعاً سيضعون هذا الدعاء في مقدمة مناجاتهم مع الله على جبل عرفة، وفي يوم عظيم مثل هذا اليوم.

ولو أننا لم يحالفنا الحظ بأن نكون معهم في نفس الموقف، إلا أننا ندعو الله معهم مستلهمين موقفهم ومستنهضين منه العزم واليقين بالاستجابة من رب العالمين، مطمئنين برحمته التي وسعت كل شيء، بأن يرحمنا من كيد الفجار وشر الأشرار، الذين أرادوا بالبحرين وأهلها ومقدراتها ضرراً، فعسى الله أن يستجيب لدعائهم ودعائنا، وأن يرزقنا حج بيته في الأعوام المقبلة بإذنه تعالى.

هناك على جبل عرفات يقف المسلمون ليطلبوا من الله اللطيف بعباده، أن يلطف بهم، ولا نرتاب لحظة في لطفه الذي يجري بين عباده، سوف يكون لنا فيه نصيب، ولقد عهدنا هذا اللطف في أيامنا السابقة وحتى من سبقونا، ولذلك فنحن واثقون بجريان لطفه على بلادنا وأحبائنا وأجيالنا الحالية والقادمة دون توقف، وما خاب من أودع الله شتات أمره.

ومن إحاطة الله تعالى لخلقه برحمته، ورعايته جل وعلا لهم في السر والعلن، وتدبير أمورهم بحكمة ودقة لا تدركها العقول، ما حدث لنا في تلك الفترة الماضية؛ فحتى وإن كان ظاهر ما حدث الشر، إلا أنه كان فيه خير كثير، فقد عرفنا أموراً ظلت مجهولة عن أعيننا لسنوات، وبرز من بين المحنة منحة عظيمة؛ فقد كشف الله لنا معدن رجال خرجوا من بيوتهم ليلاً ليحموا وطنهم، فمنهم من عاد، ومنهم من رحل فداء لوطنه.

وكشف الله لنا كذلك معادن أخرى خبيثة كانت تتخفى وتعيش بيننا وتتبسم في وجوهنا، بينما هي تضمر الشر للبشر؛ لكن ولله الحمد بحكمة قيادتنا وعزم أبناء البحرين الأوفياء، مرّت الأزمة وانكشفت الغمة. واليوم يأتي علينا عيد الأضحى لنتعلم أمراً آخر من حكمته تعالى في أمره إبراهيم عليه السلام بأن يذبح ابنه، ثم ليفتديه بكبش عظيم.

وكأني أرى فيما حدث لنا، جزءاً بسيطاً من ابتلاء سيدنا إبراهيم نبي الله وخليله، الذي أمره أن يذبح ابنه، الذي كان أعز إليه من نفسه، فما كان منهما إلا أن أسلما لأمر الله دون تفكير أو محاولة إيجاد حلول بديلة، بل إن إبراهيم عليه السلام دفع ابنه الحبيب بنفسه إلى الأرض «وتله للجبين» حتى لا تتلاقى أعينهما، ويتردد في تنفيذ أمر الله. يا له من أمر عصيب لا يتحمله إلا رجل مثل إبراهيم عليه السلام.

أوجّه ندائي للواقفين على جبل عرفات صباح هذا اليوم.. لا تنسوا مليكنا المعظم وولي عهده الأمين والبحرين كلها من دعائكم. وأقول لهم ولنا ما قاله تعالى في سورة النور، «لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ».

* قبطان - رئيس تحرير جريدة «ديلي تربيون» الإنجليزية