لم يعد الأمن في عالم اليوم مجرد دوريات ميدانية أو استجابة لحوادث طارئة، بل أصبح مفهوماً واسعاً يتداخل فيه الذكاء الاصطناعي، وأمن البيانات، والوعي المجتمعي، والاستباقية في مواجهة التحديات والتهديدات. ومن هنا جاءت أهمية معرض «آيسنار» وقمة أبوظبي للأمن المستدام والتي مفادها حين تتحول التقنية والوعي إلى خط الدفاع الأول، حيث تحولت تلك القمة إلى منصة دولية لرسم ملامح الأمن العالمي الحديث.

وكان حجم المشاركة الدولية -والذي يُعدّ قياسياً هذا العام- لم يكن حدثاً عادياً، بل رسالة واضحة بأن العالم بات يدرك أن الأمن لم يعد مسؤولية محلية أو إقليمية، وإنما شراكة دولية تتطلب تبادل الخبرات والتقنيات والرؤى، خصوصاً في ظل تصاعد التهديدات السيبرانية والتحديات العابرة للحدود.

وفي هذا المضمون، جاء حديث سيدي معالي الفريق أول ركن الشيخ راشد بن عبدالله آل خليفة وزير الداخلية في قمة أبوظبي للأمن المستدام ليؤكد أن الفكر الأمني الحديث انتقل من مرحلة رد الفعل إلى مفهوم الاستدامة والاستباقية، أي التنبؤ بالمخاطر قبل وقوعها، والاستعداد لها عبر التقنية والوعي المجتمعي والتكامل المؤسسي.

كما أكد معاليه بأن أمن البيانات هو خط الدفاع الأول عن سيادة الدول، ويعكس ذلك حقيقة المرحلة الحالية، حيث أصبحت البيانات تمثّل عصب الدولة الحديثة، بدءاً من الاقتصاد ومروراً بمختلف الاحتياجات حتى الأمن الوطني. فاختراق البيانات اليوم قد يعادل اختراق الحدود، وربما أخطر من ذلك.

ولعل أخطر ما تواجهه المجتمعات حالياً هو تسارع الجرائم الإلكترونية المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، من تزييف الأصوات والفيديوهات إلى عمليات الاحتيال الرقمي المعقدة، وهو ما يجعل معركة الوعي ضرورة وطنية لا تقل أهمية عن المعركة العسكرية.

فالأسرة الواعية، والإعلام المسؤول، والمدرسة، والمؤسسات المجتمعية، جميعها أصبحت شريكاً مباشراً في حماية الأمن الوطني، لأن الأمن الحقيقي يبدأ من وعي الإنسان قبل أي جهاز أو تقنية.

ورغم التطور الكبير في تقنية المعلومات، يبقى الإنسان والبشرية هما محور الأمن الحقيقي، لأن الآلات مهما بلغت من الذكاء تبقى بحاجة إلى قيم إنسانية تحكم استخدامها. ومن هنا تبرز أهمية المؤسسات الأمنية المحترفة والعادلة، التي تعزز ثقة المجتمع وتمنح الأسرة والمجتمع شعور الطمأنينة والاستقرار.

إن العالم يدخل اليوم مرحلة جديدة تحت مسمى الأمن الذكي، ولكن سيظل الإنسان الواعي هو الأساس في الدولة المتمكنة، في المجتمع المتماسك.

حفظ الله مملكة البحرين وقيادتها وشعبها، وحفظ دول الخليج العربي وحكامه وشعوبه من كل شر ومكروه.