ما إنْ تشدُّ قوافلُ الحجِّ رحالَها حتى يبدو المشهدُ كأنَّهُ فصلٌ من حكايةٍ روحيةٍ كبرى؛ وجوهٌ يغمرها الشوق، وقلوبٌ تتخفّفُ من ضجيجِ العالم لتسيرَ نحوَ الله، كأنَّ الأرواحَ تستجيبُ لنداءِ قديمٍ ظلَّ ساكنًا في أعماقها منذُ الأزل.

يلبسُ الحاجُّ بياضَه، لا بوصفهِ ثوبًا فحسب، بل كأنَّهُ يرتدي صفاءً جديدًا، ويتركُ خلفهُ تعبَ الأيام، حاملًا معهُ أسماءَ أحبّتِه، وأمنياتِ البيوت، ووجعَ القلوبِ الصغيرة التي تنتظرُ عودتَه بالدعاءِ والطمأنينة.

في هذا الموسمِ تحديداً، بدا وكأنَّ الدعواتِ للوطنِ قد اتّسعتْ أكثر، لا لأنَّ الحبَّ جديد، بل لأنَّ القلبَ حينَ يقفُ قريباً من السماءِ يُعيدُ ترتيبَ أولوياتهِ؛ فيتقدّمُ الوطنُ المشهدَ بوصفهِ الأمانَ الذي تُبنى عليه سكينةُ الأرواح.

لذلكَ، كانتِ البحرينُ تحضرُ بكثافةٍ في الدعوات، تتردّدُ بينَ التلبيةِ والدمعة، وبينَ الطوافِ والرجاءِ، كأنَّ الحاجَّ يُطمئنُ قلبَهُ أولاً على وطنهِ وقيادتِه، ثم يمضي ليدعو لما تبقّى من أمنيات.

وهناك، بين التلبيةِ والدعاءِ، لا ينسى الحاجُّ البحرينيُّ أرضَهُ التي أحبّها، فيرفعُ كفَّيهِ راجيًا أن يحفظَ اللهُ وطنَهُ من كلِّ سوء، وأن يُديمَ عليه نعمةَ الأمنِ والسكينة، وأن تبقى البحرينُ دارًا تتّسعُ للمحبّةِ كما يتّسعُ البحرُ للمراكب.

يدعونَ أن يظلَّ الوطنُ آمناً مطمئناً، لا تعبثُ بهِ الفتنُ ولا تنالُ من دفءِ بيوتِه الرياحُ الثقيلة.

ثمَّ تمضي الدعواتُ إلى من أوكلتْ إليهم الأقدارُ أمانةَ الوطن؛ إلى القيادةِ التي تمضي بالحكمةِ حينَ تضطربُ الطرق، وإلى رجالِ الأمنِ الذين يقفونَ عندَ حوافِّ القلقِ كي تبقى البيوتُ مطمئنّة، وإلى كلِّ مخلصٍ أدركَ أنَّ الوفاءَ للأرضِ ليس موقفاً عابراً، بل طريقةً في الحبِّ لا تتبدّل.

«ثمَّ، في تلكَ المسافةِ الشفيفةِ بينَ التلبيةِ والدمعة، يخطرُ للقلبِ سؤالٌ لا يشبهُ الأسئلة: هل كان الحُجّاجُ يدعونَ للوطنِ... أم كان الوطنُ نفسُهُ يرفعُ أسماءَ أبنائِه إلى اللهِ ، ومن يحملونَ عنه تعبَ السهر،ـ والحكمة، كي يبقوا آمنين؟