مثلت الكلمة السامية لحضرة صاحب الجلالة ملك البلاد المعظم، خلال التمرين العسكري المشترك «درع البحرين»، إعلاناً سياسياً واستراتيجياً متكاملاً في توقيت بالغ الحساسية، تشهد فيه المنطقة تحديات أمنية وسياسية متصاعدة.
ولعل أكثر ما استوقفني في الكلمة ذلك البُعد الحضاري، والتأكيد على أن الإسلام رسالة رحمة جمعت الشعوب، وأرست مبادئ العدل والتسامح والتعايش، وقد امتدت هذه الرسالة إلى الأمة الفارسية، فأكسبت حضارتها، كما أكد جلالة الملك المعظم، عمقاً روحياً وإنسانياً ومعرفياً، وفتحت أمامها آفاقاً جديدة للإسهام في بناء الحضارة الإسلامية.
ولم يكن استدعاء جلالة الملك المعظم لهذا البُعد التاريخي إلا لتأكيد المفارقة بين قيم الإسلام، وبين السياسات التي تنتهجها إيران اليوم، والقائمة على التصعيد وتأجيج النزاعات والتدخل في شؤون الدول، في تناقض واضح مع مبادئ الشريعة وقيم حسن الجوار.
لقد جاءت الرسالة واضحة وحاسمة؛ فاستمرار السلوك الإيراني أصبح سبباً في زعزعة استقرار الإقليم وتوسيع الصراع، وهو توصيف يعكس واقعاً تعيشه المنطقة، بعدما تحولت التدخلات الإيرانية إلى مصدر للتوتر وعدم الاستقرار، بما يهدد أمن الدول وسيادتها ومقدرات شعوبها.
الكلمة لم تكتفِ بتوصيف الخطر، بل انتقلت للحديث عن عناصر القوة والقدرة على مواجهته، فقد أكد جلالة الملك المعظم أن دول مجلس التعاون ليست وحدها، وإنما تستند إلى منظومة متقدمة من التنسيق الأمني والدفاعي مع الأشقاء والأصدقاء، في رسالة واضحة بأن أمن الخليج العربي تحميه شبكة متماسكة من الشراكات العسكرية والسياسية.
كما أعادت كلمة جلالته تعريف مفهوم القوة؛ فالقوة، وفق الرؤية البحرينية، وسيلة لحماية السلام وصون الاستقرار، ولهذا ربط جلالة الملك المعظم بين تطوير القدرات العسكرية وبين حماية العمران التنموي والحضاري، بما يؤكد أن المعادلة الخليجية واضحة؛ لا تنمية دون أمن ولا استثمارات دون استقرار.
وأكثر ما لفتني في الكلمة السامية أنها لم تكن خطاباً للقطيعة، بل تذكيراً بما يجمع المسلمين، ولذلك جاء الأسف من تجاهل تلك الروابط، والدعوة الصريحة إلى تغليب الأخوة الإسلامية، والالتزام بقيم الشريعة واحترام عهود حسن الجوار، باعتبارها الأساس الحقيقي لبناء علاقات مستقرة.
وهنا تتجلى الحكمة السياسية في الخطاب البحريني؛ الذي يجمع بين الحزم والانفتاح، حزم يرفض أي اعتداء أو تدخل يمس سيادة الدول وأمنها، وانفتاح على أي مسار يعيد العلاقات إلى أسسها الطبيعية، القائمة على الاحترام المتبادل، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، والتعاون من أجل استقرار المنطقة.
وفي المحصلة، رسمت الكلمة السامية فلسفة بحرينية متكاملة لإدارة الأمن والسلام؛ فلسفة تؤمن بأن القوة ليست نقيضاً للسلام بل شرطاً لحمايته، وأن الأخوة الإسلامية لا تكتمل إلا باحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها، وأن حسن الجوار ليس مجرد شعار، وإنما التزام أخلاقي وقانوني يجب أن ينعكس في الواقع العملي.