تعتبر منطقة الخليج العربي واحدة من أكثر مناطق العالم إجهاداً مائياً، حيث تعتمد دول مجلس التعاون الخليجي بشكل شبه كامل على محطات تحلية مياه البحر لتأمين احتياجاتها اليومية. ومع تسارع وتيرة التغير المناخي وبروز مهددات بيئية وفيزيائية جديدة، وعلى رأسها المخاطر المحيطة بمفاعل بوشهر الإيراني، يتحول مشروع الربط المائي الخليجي من مجرد مشروع تكاملي إلى ضرورة وجودية وأمنية قصوى.
- البعد الفيزيائي والبيئي: هشاشة النظام المائي الحالي:
من الناحية الفيزيائية، يعتبر الخليج العربي حوضاً شبه مغلق، يتميز بمعدلات تبخر عالية جداً وعمق ضحل نسبياً، وهذا التركيب الجيومورفولوجي يجعله حساساً للغاية لأي تغيرات حرارية أو تلوث كيميائي وفيزيائي، على النحو التالي:
1. أثر التغير المناخي: يؤدي ارتفاع درجات حرارة كوكب الأرض إلى زيادة ملوحة مياه الخليج، وتقليل نسب الأكسجين المذاب فيها مما يرفع من تكلفة التحلية طردياً ويجهد البنية التحتية للمحطات الحالية.
2. ظاهرة الازدهار الطحلبي (المد الأحمر): التغيرات المناخية تسهم في تكرار هذه الظاهرة البيئية، والتي تتسبب في انسداد فلاتر محطات التحلية وإجبارها على التوقف المؤقت عن العمل، مما يهدد المخزون الاستراتيجي للمياه العذبة.
3. سيناريو بوشهر(الكابوس الإشعاعي): يقع مفاعل بوشهر النووي في منطقة ذات نشاط زلزالي كثيف على الساحل الإيراني، مما يجعله مصدراً لقلق بيئي مستمر لدول الخليج التي تقع محطات تحليتها على الضفة المقابلة. وفيزيائيا، في حال حدوث أي تسرب إشعاعي (لا قدر الله) تعتمد على التيارات البحرية الدائرية في الخليج العربي، والتي تتحرك عكس عقارب الساعة. هذا يعني أن أي مواد مشعة مثل السيزيوم أو اليود المشع ستنتقل وتنتشر بسرعة نحو السواحل الخليجية.
النتيجة الفيزيائية: المواد المشعة لا يمكن فصلها بسهولة عبر تقنيات التحلية التقليدية مثل التناضح العكسي ($RO$) أو التبخير الوميضي متعدد المراحل ($MSF$). في مثل هذا السيناريو، ستضطر دول الخليج إلى إغلاق محطات التحلية فوراً لتجنب تلوث شبكات الشرب بالمياه الملوثة إشعاعياً.
- الربط المائي الخليجي (شبكة الأمان الفيزيائية والبيئية):
هنا تبرز الأهمية القصوى لمشروع الربط المائي الشامل، والذي لا يقتصر على ربط شبكات الأنابيب، بل يمتد ليشمل بناء محطات تحلية عملاقة على بحر العرب وبحر عمان (خارج مضيق الخليج العربي المغلق) والمتمثلة في التالي:
1. تنويع مصادر السحب الفيزيائي: تتيح هذه الاستراتيجية سحب المياه من المحيط المفتوح، وهي مياه أقل ملوحة وأكثر استقراراً حرارياً، وبعيدة تماماً عن مسار التيارات البحرية الحاملة لأي تلوث إشعاعي محتمل من بوشهر.
2. المرونة الهيدروليكية وتبادل الضخ: يوفر الربط المائي القدرة الفيزيائية على نقل ملايين الأمتار المكعبة من المياه عبر شبكة أنابيب عابرة للحدود وبسرعة عالية، لتعويض أي نقص أو إغلاق طارئ لمحطات التحلية في أي دولة خليجية متضررة.
3. مواجهة التطرف المناخي: يعمل الربط كصمام أمان ضد حالات الجفاف الشديد أو الأعاصير المدارية التي قد تضرب ساحلاً دون آخر، مما يضمن استمرارية تدفق المياه دون انقطاع.
- أرقام هامة في الربط الخليجي المائي:
عند حساب احتياجات دول مجلس التعاون الخليجي من مياه الطوارئ والقدرة الكهربائية والتكلفة المصاحبة، تم الإعتماد على البيانات الديموغرافية والتقنية الحديثة المعتمدة في هندسة التحلية، وهي كالتالي:
1. عدد سكان دول الخليج 62.8 مليون نسمة؛ طبقاً لتقديرات المراكز الإحصائية الخليجية لعام 2025-2026.
2. تقنية التحلية المعتمدة للحسابات: استخدام تقنية التناضح العكسي لمياه البحر (SWRO)، وهي التقنية الحديثة والأقل استهلاكاً للطاقة مقارنة بالتحلية الحرارية التقليدية .
3. حجم خزن مياه الطوارئ المطلوب: عند معدل استهلاك حرج في حالات الطوارئ القصوى بواقع 20 ليتر لكل فرد يومياً ، وهو الحد الأدنى للبقاء الاستراتيجي والشرب والاستخدام الأساسي فإن الاحتياج اليومي الإجماليى يعادل 1.256 بليون متر مكعب يومياً.
4. إجمالي المخزون الاستراتيجي المطلوب حسب فترة الطوارئ: يكون المخزون على النحو التالي:
- لمدة 7 أيام (أسبوع) 8.79 مليون متر مكعب.
- لمدة 30 يوماً (شهر ) 37.68 مليون متر مكعب.
- لمدة 90 يوماً (3 أشهر) 113.04 مليون متر مكعب.
5. مقدار الطاقة الكهرومائية المطلوب يومياً: تستهلك محطات التناضح العكسي الحديثة المزودة بأنظمة استرداد الطاقة ERD ما بين 3.0 إلى 3.8 كيلووات ساعة لكل متر مكعب من الماء، وباستخدام متوسط استهلاك قدره 3.5 كيلووات ساعة لكل متر مكعب من الماء تكون الطاقة اليومية المطلوبة تساوي 4.4 جيجاوات ساعة يومياً لتغطية حد الطوارئ لسكان الخليج.
6. قدرة محطات التحلية المطلوبة (بالميجاوات): لتوفير هذه الكمية بشكل مستمر على مدار 24 ساعة تكون القدرة الكهربائية المستمرة المطلوب ربطها بالمحطات هي 183.2 ميجاوات، وهذه لتشغيل محطات التحلية لتغطي حد الطوارئ الأدنى20 لتر لكل فرد لكل يوم.
7. تكلفة إنتاج المتر المكعب من الماء: تختلف التكلفة المستوردة بناءً على مصدر الطاقة وتقنية التحلية المستخدمة:
أ- عند استخدام الطاقة الشمسية الكهروضوئية لتشغيل مضخات التناضح العكسي تكون الكلفة 0.40 - 0.60 دولار(150 – 220 فلسا) لكل متر مكعب، تستفيد دول الخليج من انخفاض تعرفة الطاقة الشمسية القياسي الحالي (6 فلس لكل كيلووات - ساعة)، وهذا الانخفاض في الكلفة يقلل من التكلفة التشغيلية المباشرة للمحطة بشكل كبير.
ب- عند استخدام الغاز الطبيعي لتشغيل التناضح العكسي الشبكي تكون الكلفة 0.65 - 0.90 دولار (240 - 340 فلس) لكل متر مكعب، وهذا يعتمد التكلفة على أسعار الغاز المحلي أو تعرفة الشبكة الكهربائية التقليدية.
ت- عند استخدام الغاز الطبيعي لأجهزة التحلية الحرارية التقليدية تكون الكلفة 1.20 - 1.80 دولار (450 فلس - 670 فلس) لكل متر مكعب، علما بأن المحطات الحرارية القديمة تستهلك طاقة حرارية وكهربائية عالية جداً وتزداد تكلفتها مع احتساب القيمة السوقية للغاز المستهلك.
ختاما، يمكننا أن نجزم بأن مواجهة التغير المناخي والمخاطر الجيوسياسية والنووية في منطقة الخليج العربي تتطلب حلولاً تتجاوز الحدود الجغرافية السياسية. ويمثل الربط المائي الخليجي تطبيقاً عملياً لفيزياء إدارة الأزمات والهندسة البيئية الاستباقية؛ فهو ليس مجرد رفاهية اقتصادية، بل هو «درع الماء» الذي يحمي استقرار شعوب المنطقة ويؤمن مستقبلها الحيوى أمام سيناريوهات بيئية معقدة.
* استاذ الفيزياء التطبيقية
بجامعة الخليج العربي