في زنزانة ضيقة، في سجن على جزيرة روبن قبالة سواحل جنوب أفريقيا، قضى نيلسون مانديلا سبعة وعشرين عاماً خلف القضبان، كسر الصخور خلال سجنه حتى دمرت الشمس عينيه، كانت الزيارات ممنوعة عنه باستثناء زيارة واحدة في السنة ولزائر واحد، سبعة وعشرون سنة كفيلة بالسماح لليأس أن يحطم أي إنسان، لكن هذا السجين طلب من سجانيه السماح له بزراعة حديقة صغيرة في فناء السجن، فزرع فيها الخضروات في شريط ضيق من التراب، يقول في مذكراته، متحدثاً عن هذه المساحة الصغيرة: (تلك الحديقة الصغيرة كانت الشيء الوحيد الذي أملك التحكم به، داخل عالم سلب مني كل شيء، وأن بذرة في الأرض أزرعها حتى تثمر كانت تمنحني إحساساً بسيطاً بالانتصار)، بعدها خرج مانديلا من ذلك السجن ليصبح رئيساً لبلاده ورمزاً عالمياً للتسامح، لكن الدرس الأعمق في قصته ليس في النهاية المجيدة، بل في تلك الحديقة الصغيرة؛ في إدراكه أن الإنسان حين لا يستطيع تغيير العالم من حوله يستطيع دائماً أن يزرع نبتة، وأن الأمل لا ينتظر بل يصنع، ويصنع تحديداً من أصغر تفاصيل الحياة اليومية.
في الواقع هذا حال الدنيا فلا شيء يبقى على حاله، لا الفرح يدوم ولا الحزن يجلس في صدورنا إلى الأبد، والأيام الصعبة أشبه بغيمة ثقيلة تعبر سماءنا فتحجب الشمس ساعة، لكنها في النهاية تمضي وتعود الشمس كما كانت، غير أن المشكلة أننا حين نكون في قلب العاصفة ننسى أنها عاصفة عابرة ونظنها مناخاً دائماً، وننسى أننا عبرنا من قبل أياماً ظنناها لن تنتهي، كثيرون منا ينتظرون الأمل كما ينتظر ضيفاً يطرق الباب، والحقيقة الأمل لا يأتي من الخارج، بل يُصنع من الداخل كحديقة مانديلا، ويُصنع من وسائل بسيطة نملكها جميعاً، لكننا لا ننتبه إليها؛ يصنع من فنجان قهوة نحتسيه على مهل لا على عجل، ومن مشية هادئة نستعيد فيها أنفاسنا وأفكارنا، فهذه التفاصيل الصغيرة التي نمر بها كل يوم دون أن نراها هي في الحقيقة خيوط ذهبية إن جمعناها نسجنا منها ثوباً جميلاً، ولمن أراد وصفة عملية، فليجرب أن يبدأ يومه بكلمة شكر، ولو على نعمة واحدة صغيرة، فالقلب الشاكر لا يعرف اليأس طريقاً إليه، وليجرب أن ينجز شيئاً واحداً بسيطاً كل يوم؛ أن يقرأ صفحات من كتاب، أو يزرع نبتة على شرفته، فالإنجازات الصغيرة تراكم هادئ للثقة، والثقة أم الأمل، وليبتعد قليلاً عن كل ما يستنزفه؛ عن الأخبار التي لا يملك تغييرها، وعن المقارنات التي تسرق رضاه.
وأنا أكتب هذه الكلمات تذكرت أحد الأمثال البغدادية، فوجدت أن من المناسب أن أختم به، فالبغداديون يرددون المثال القائل (ما دام قهوة وتتن كل الأمور تهون) وهو مثل يذكر للدلالة على أن الصعاب والمشاكل مهما كانت كبيرة، فإنها تصبح هينة، ولا تستحق القلق طالما أن الإنسان يمتلك ما يعدل مزاجه ويهدئ روعه، فتوفر القهوة والتبغ كفيلان لمواجهة أي مشكلة.