تسربت أنباء من واشنطن تفيد بأن الإدارة الأمريكية تدرس توجيه جزء من مليارات الدولارات من الأصول الإيرانية المجمدة حول العالم، توجيهها نحو تعويض دولنا الخليجية التي تعرضت لأضرار مباشرة نتيجة الاعتداءات الإيرانية.

إذا كانت هذه الأنباء عالية الصحة، فإنها تمثل الطرح الأكثر عدالة ومنطقية منذ بداية هذه الحرب؛ فدول الخليج العربي لم تكن طرفاً رئيسياً فيها، ولم ترسل جيوشها لقتال أحد، ومع ذلك وجدت نفسها تحت وابل من التهديدات والاستهدافات الإيرانية العدوانية الآثمة التي طالت منشآت النفط والطاقة والمطارات والمرافق الحيوية، وهددت حياة المدنيين والأبرياء، وألحقت أضراراً اقتصادية وأمنية لا يمكن تجاهلها أو التقليل من شأنها.

وعليه الأسئلة الطبيعية هي: من سيدفع فاتورة هذه الأضرار؟! هل ستتحملها شعوب الخليج التي تعرضت للاعتداءات المستمرة؟! أم أن الطرف الذي تسبب بهذه الخسائر هو من يجب أن يتحمل المسؤولية؟!القانون الدولي واضح في هذه المسألة. فالدولة التي تتسبب بأضرار لدولة أخرى نتيجة أعمال عدائية تتحمل مسؤولية التعويض.

كما أن الموقف الدولي الذي أدان الاعتداءات الإيرانية ومنح دول الخليج العربي الحق المشروع في الدفاع عن نفسها، يؤكد أن دولنا هي الطرف المتضرر الذي يملك حق المطالبة بالتعويض.

المثير للدهشة أن النظام الإيراني يحاول اليوم الظهور في صورة الضحية، ويطالب بالإفراج عن عشرات المليارات من الدولارات، بل ويتحدث بعض مسؤوليه عن تعويضات ومطالب مالية، وكأن دول الخليج العربي هي من استهدفت المطارات والمنشآت النفطية والمرافق المدنية داخل إيران، وليس العكس.

هذه واحدة من أكثر المفارقات السياسية وقاحة في المنطقة. فمن غير المعقول أن تتعرض دول الخليج العربي للأضرار والخسائر، ثم يُطلب منها أن تشاهد مليارات الدولارات وهي تتدفق إلى خزائن النظام الإيراني دون أي حديث عن التعويض أو المساءلة أو تحمل المسؤولية.

بل إن السؤال الأخطر هو ماذا سيحدث لو تم الإفراج عن هذه الأموال؟! هل ستذهب إلى التنمية والإعمار وإصلاح هذا النظام المجرم حتى يخدم شعبه؟! أم ستتحول مرة أخرى إلى صواريخ ومسيرات وشبكات نفوذ وأذرع عسكرية ومشاريع تهدد أمن المنطقة واستقرارها؟!

هذا هو جوهر القضية؛ فالإفراج عن الأموال الإيرانية اليوم دون معالجة ملف التعويضات يشبه مكافأة المعتدي على اعتدائه، ومنحه موارد مالية جديدة بعد كل ما تسبب به من أضرار وخسائر.ولعل التجربة السابقة لا تزال ماثلة أمام الجميع.

ففي عهد الرئيس الأمريكي باراك أوباما، تم الإفراج عن مليارات الدولارات الإيرانية المجمدة في إطار الاتفاق النووي، ووصلت الأموال إلى طهران وسط وعود كبيرة بأن ذلك سيفتح صفحة جديدة ويقود إلى تغيير في السلوك الإيراني. لكن ماذا كانت النتيجة؟!

هل تخلت إيران عن مشاريعها العسكرية؟! هل توقفت عن تطوير الصواريخ والمسيرات؟! هل تراجعت عن دعم أذرعها ووكلائها في المنطقة؟! الجواب يعرفه الجميع.

لهذا السبب لم يتوقف الرئيس دونالد ترامب طوال السنوات الماضية عن مهاجمة تلك الخطوة، واعتبارها واحدة من أغبى القرارات التي اتخذتها إدارة أمريكية على الإطلاق.

وكان يكرر باستمرار أن إدارة أوباما منحت النظام الإيراني مليارات الدولارات دون أن تحصل في المقابل على تغيير حقيقي في سلوكه، بل وفرت له موارد إضافية استخدمها لتعزيز نفوذه وقدراته العسكرية.

من هنا يصعب تصور أن إدارة ترامب ستكرر الخطأ ذاته مرة أخرى، خصوصاً في ظل وجود دول متضررة بشكل مباشر من السياسات الإيرانية، وفي ظل مطالبات مشروعة بتعويض الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية والاقتصاد والأمن والاستقرار في المنطقة.

الحديث عن الأصول الإيرانية المجمدة يجب ألا يبدأ بمنطق ”متى ستُعاد الأصول إلى إيران“؟! بل يجب أن يكون من منطق أكثر عدالة بـ“من سيعوض المتضررين أولاً“؟!

إذا كانت هناك أموال مجمدة، وإذا كانت هناك أضرار مثبتة، وإذا كانت هناك دولة مسؤولة عن تلك الأضرار، فإن توجيه جزء من هذه الأصول لتعويض الدول المتضررة، هو استحقاق أخلاقي وقانوني قبل أي شيء آخر.

أما أن تُفرج هذه الأموال بالكامل وتُسلَّم للنظام الإيراني بينما لا تزال آثار الاعتداءات والأضرار قائمة، بل الاستهدافات مستمرة، فهذه ليست عدالة، بل مكافأة للمعتدي، ورسالة خاطئة لكل من يعتقد أن بإمكانه تهديد أمن المنطقة ثم المطالبة بالمليارات بعد ذلك.