تمثّل العلاقات الاجتماعية عنصراً رئيساً لاستقرار المجتمعات ونهضتها، ففي البحرين ارتبط السكان فيما بينهم بروابط الأخوة والوحدة ونمت لديهم قيم التكافل والتعاون، فقد تجلّت هذه الصفات بوضوح في الشخصية البحرينية إبّان العصور الإسلامية حيث منح موقع البحرين المتميز وسعة مساحتها أهمية استراتيجية ساعدت في تنوع أنشطتها الاقتصادية، خصوصاً التجارة والملاحة البحرية وصيد الأسماك واللؤلؤ والزراعة وغيرها من الأنشطة ممّا انعكس على كافة جوانب الحياة في المجتمع، فكان للمنظومة الاجتماعية والعلاقات الاجتماعية وسلوك الإنسان البحريني النصيب الكبير من ذلك التأثير.
فبحكم امتداد البحرين الجغرافي مع أقاليم جزيرة العرب؛ ممّا جعلها امتداداً بشرياً لسكان جزيرة العرب حيث استقرت فيها القبائل العربية القادمة من جنوب الجزيرة ومن وسطها تبعاً للظروف الاقتصادية والمستجدات المعيشية خصوصاً مع بداية التاريخ الميلادي وتوزعت ما بين جزر البحرين وسواحلها وواحاتها وبواديها، وكانت أعراف القبيلة وعادتها فضلاً عن الأحلاف التي تم تشكيلها في البحرين ومنها حلف تنوخ واللهازم والتي ساهمت في تنظيم إقامة تلك القبائل وعلاقتها الاجتماعية والاقتصادية مع بعضها، وتمثل تلك الأحلاف والأعراف منظومة ضابطة للعلاقات الاجتماعية.
إنّ تنوع الأنشطة والموارد واعتماد أهل أوال على التجارة أتاح لتجار البحرين وجاليات مختلفة للاستقرار فيها، وأتاح في ذات الوقت للإنسان البحريني التواصل مع أقوام ومجتمعات مختلفة، كما كانت أوال مجتمعاً بحرياً وزراعياً ارتبط سكانه بعلاقات الجيرة والتعاون، فقد ساعد صغر مساحة جزيرة أوال وقرب قراها، وتعاون أهلها في أمور الزراعة والمياه والغوص على تقوية الروابط الاجتماعية بينهم، إضافةً إلى وجود السوق ومراكز العبادة كمراكز لتجمع السكان وتبادل المنافع منذ قبل الإسلام، كل ذلك انعكس على طبيعة وسلوك الإنسان البحريني، وترسخت تلك القيم الاجتماعية بشكل أكبر بعد انتشار الإسلام، بما يتضمنه من قيم وثوابت ومنها ما يتعلق بالجانب الأخلاقي والاجتماعي.
- الجيرة والتعاون في الزراعة وإدارة المياه:
جاء في وصف أوال بأنها: جزيرة أوال جزيرة حسنة... عامرة خصيبة كثيرة الزروع والنخل، وامتدح الجغرافيون عيونها العذبة ونظراً لوجود قرى وبساتين متقاربة، فقد اعتمد سكانها على المياه المشتركة الأمر الذي يتطلب وجود تعاون بين المزارعين والجيران حيث إن هذه الأعمال يتعذر على الفرد القيام بها منفرداً، كما برزت قيم التكافل في تبادل الأطعمة والثمار ودعم الأسر إبان الأزمات، والمشاركة في مختلف المناسبات الدينية والاجتماعية، ووجود أماكن للقاءات الدورية الأمر الذي يعزز العلاقات بين السكان. كذلك تعاون السكان في تلقيح النخيل وجني التمور ونقل المحاصيل إلى الأسواق. وعندما يتعرض أحد المزارعين لمرض أو خسارة، كان أقاربه وجيرانه يساعدونه في رعاية مزرعته أو إكمال حصاده. وهكذا أسهم العمل الزراعي المشترك في تقوية الثقة والاعتماد المتبادل بين أفراد المجتمع.
- الجيرة والتعاون في البحر والتجارة:
إنّ اعتماد سكان البحرين على الغوص ونظراً لما يرتبط بهذه الحرفة من ظروف وطبيعة عمل تتطلب السفر والتعاون ترسّخت هذه الصفات في الإنسان البحريني، وفي ذلك يؤكد الإدريسي على التعاون بين أهل أوال في الغوص قائلاً:" وكل غواص له صاحب يعاون به في عمله" حيث إنّ نزول الغواص للبحر يتطلب مساعدة صاحبه لمسك الحمل ومساعدته للنزول والصعود وإفراغ الصدف فضلاً أنّ سلامة الغواص منوطة بيقظة رفيقه وأمانته، من هنا نشأت علاقات الثقة وتبادل المهام والمسؤوليات، كما أنّ هذه العملية تقوم بشكل مجموعات بقيادة دليل ماهر ذي خبرة، ممّا يعكس وجوداً تنظيمياً جماعياً منظماً للعمل البحرين، ويستمر هذا التنظيم حتى بعد العودة للديار حيث حفظ اللؤلؤ وفرزه ثم بيعه، وهنا تبرز قيم العدل والأمانة حيث يؤكد الإدريسي" والعدل لا يفارقهم في البيع والشراء، حتى لا يضام منهم أحد".
وفي الجانب الآخر احتاجت التجارة للتعاون، وبرزت الأسواق مراكز للبيع والشراء وساحات للقاء السكان وتبدل الأخبار والخبرات وملتقى اجتماعي وسّع العلاقات الاجتماعية لتشمل الشركاء والجيران والحرفيين والتجار الوافدين من مناطق وبلدان مختلفة.
- مواقف الجيرة والتعاون عبر التاريخ الإسلامي:
كما نجد هذه القيم واضحةً في شعر الشعراء، وخطب الخطباء، ومواقف الحكماء والزعماء ووجهاء وعموم أهل البحرين في العصور الإسلامية. ومن أبرز الأمثلة على ذلك ما اعتمده حاكم البحرين في عهد النبوة المنذر بن ساوى التميمي في سياسته القائمة على قيم الشورى والتعاضد والتعاون والقرب بينه وبين رعيته؛ ممّا ساعد في سرعة استجابة أهل البحرين للدين الإسلامي، وتبرز قيم الجيرة والتضامن في تشكيل وفود أهل البحرين التي انتقلت للمدينة بشكل جماعي حرصاً منها على لقاء الرسول والتفقه في الدين، كذلك برزت وحدة أهل البحرين في وقوفهم صفاً واحداً مما ساعدهم في وأد الفتن، ومنها موقفهم الموحد ضد المرتدين والمتمردين وتمكنهم من الانتصار عليهم، وقد ظهر التعاون جلياً في موقف الجارود العبدي حيث جمع قومه، وخاطبهم ودعاهم للثبات واستجابوا له محافظين على وحدتهم، وبعد ذلك استمرت قيم التعاون في عملية الفتوحات العربية الإسلامية في زمن الخلفاء الراشدين حيث وقفوا صفاً واحداً لنشر الإسلام والحضارة لبلاد العراق وفارس والمشرق، وفي العصور اللاحقة نجد اجتماعهم على أبو البهلول العوام من عبدالقيس في حرصه على وحدة وعروبة المنطقة حيث توحّدوا للدفاع عن جزيرتهم وبناء مسجدهم فقيل" واجتمع أهل الجزيرة عليهما" حيث كان التعاون عملاً منظماً اجتماعياً وسياسياً لحماية أمن المجتمع ومصالحه، كما برز الشاعر ابن المقرب العيوني الذي سجل تعاضد أهل البحرين ومواقفهم إبان الأزمات مشيداً باعتزاز أهل البحرين في حماية المجتمع وحرصهم عل الأمان وإقامة الشعائر الإسلامية.
ختاماً يتضح ممّا سبق أن قيم الجيرة والتعاون والتكافل مثلت الركيزة الأساسية في حياة سكان البحرين منذ القدم، واليوم نعيش امتداد هذه القيم ورسوخها في المجتمع البحريني حيث يبرز التكاتف المجتمعي بشكل واضح في ظل الأزمات والكوارث والظروف الطارئة عبر المبادرات المجتمعية ومساعدة المحتاجين والمتضررين ودعم الأسر، والتعاون البنّاء بين الأهالي ومؤسسات المجتمع وغيرها ممّا نستلهمه من قيادتنا الحكيمة وعلى رأسها جلالة الملك المعظم وما تقوم به المؤسسة الملكية للأعمال الإنسانية من دورٍ فاعل، وبذلك تمثل روح التضامن التي يعيش في ظلها الشعب البحريني اليوم امتداداً طبيعياً وتاريخياً لقيم أصيلة توارثها المجتمع عبر العصور، وأسهمت في تعزيز وحدته وتماسكه وقوته في وجه التحديات، ومنها العدوان الإيراني الغاشم.
* باحثة في التاريخ وأكاديمية