من "البيت العود" إلى "فرجان لول" و"حزاوي الدار" و"سعدون"، وصولاً إلى "ملفى الأياويد"، إلى جانب المئات من القصائد والعشرات من الدواوين الشعرية والنصوص المسرحية؛ أسهم الشاعر الكبير علي الشرقاوي، أطال الله عمره، في تشكيل ذاكرتنا الشعبية لأجيال متتالية، المرتبطة بالأرض والوطن والانتماء.
كان لي شرف العمل مع "بو فيّ" في بدايات عملي الصحفي في جريدة الوطن، حيث كان شعلة من العطاء والحماس، إلى جانب ما يحمله من مشاعر إنسانية راقية، حتى إنك لا تستطيع أن تستحضر علاقتك به بعيداً عن تلك الروح الأبوية التي كان يحتضن بها الجميع، فلم يكن يمر يوم إلا وتكون له جولة على مكاتب الزملاء، يسلم عليهم ويطمئن على أحوالهم فرداً فرداً.
"شلونج أبوي"؛ كان هذا سؤاله اليومي لي ولزميلاتي في القسم، وهو يمد يده بأكياس "السمبوسة" الساخنة، حيث يترك لك دائماً حرية الاختيار بين "سمبوسة الجبن" أو "الخضار"، مع دعائه الأبوي: "بالعافية".
قبل أيام؛ سعدت جداً بخبر زيارة وزير الإعلام، الدكتور رمزان النعيمي، لمنزل الشاعر علي الشرقاوي والشاعرة فتحية عجلان، والتي حملت، برأيي، أكثر من دلالة، وعلى رأسها أن البحرين، لا تنسى أبناءها الذين كانت لهم إسهاماتهم في تاريخها، خصوصاً وأن "بو فيّ" كان ولا يزال أحد أعمدة الثقافة والشعر في البحرين والخليج.
والحديث عن علي الشرقاوي لا يمكن اختزاله في قصيدة أو ديوان أو عمل درامي، نحن نتحدث عن مسيرة امتدت عقوداً، وعن شاعر وكاتب تنقل بإبداعه بين الشعر والأغنية والمسرح والدراما، واستطاع في كل هذه المساحات أن يبقى قريباً من البحرين؛ من لهجتها وبيوتها وفرجانها وبحرها وناسها وحكاياتها.
ولعل هذا هو سر بقاء أعماله حاضرة حتى اليوم، فقد كانت نافذة يرى من خلالها الجيل الجديد شيئاً من البحرين القديمة، ويتعرف إلى تفاصيل مجتمعها وقيمه وعلاقاته، وإلى ذلك المخزون الشعبي الجميل الذي كان من الممكن أن يضيع جزء منه لولا من حملوه إلى الكلمة والصورة.
ولا يمكن الحديث عن هذه المسيرة من دون التوقف عند رفيقة الدرب، الشاعرة القديرة فتحية عجلان، التي تمثل هي الأخرى اسماً مهماً في الذاكرة الأدبية البحرينية، وربما كانت الصورة التي حملها خبر زيارة وزير الإعلام إلى منزلهما جميلة في معناها قبل تفاصيلها؛ بيت واحد يحتضن تجربتين إبداعيتين تركتا بصمتهما في الشعر والأدب والأغنية والدراما البحرينية.
وأعتقد أن قامة بحجم علي الشرقاوي، وما قدمه على مدى عقود للثقافة والشعر والأغنية والدراما البحرينية، تستحق تكريماً وطنياً يليق بهذه المسيرة، ليس فقط تقديراً لصاحبها، وإنما وفاءً لجزء أصيل من ذاكرتنا الثقافية.
أطال الله في عمر "أبو فيّ"، ومتعه بالصحة والعافية، وأدام على الشاعرة القديرة فتحية عجلان الصحة والعطاء.