في زمن تتصارع فيه عمالقة الألمنيوم على مواقع النفوذ العالمية، ثمة ما يستوقف التفكير بعمق حين يلمع اسم مصنعنا البحريني في عناوين الأخبار الصناعية الفرنسية، لست هنا بصدد تعداد الأرقام والطاقات الإنتاجية، فهي أرقام سرعان ما تتلاشى من الذاكرة، لكن ما يهمني حقاً هو اللحظة التي يمد فيها صرح صناعي من بلدنا أياديه نحو قلب أوروبا الثقيل.
صفقة استحواذ «شركة ألبا» على مصهر «دونكيرك» الفرنسي ليست مجرد نقل لأصول من طرف إلى آخر، هي لحظة فارقة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وأنا أكتب هذه السطور وأتذكر كيف كنا قبل عقود نستورد الألمنيوم من أوروبا كسلعة تامة الصنع، أما اليوم فنحن من يمد يد العون والخبرة إلى واحد من أكبر مصاهرة القارة العجوز.
لا يمكنني وأنا التي تتتبع المسيرة الاقتصادية للمملكة عن كثب أن أتجاهل حجم الجهود الجبارة التي بذلها معالي الشيخ سلمان بن خليفة آل خليفة وزير المالية والاقتصاد الوطني في الكواليس، فالرجل أدار الملف الشائك بعقلية دبلوماسية اقتصادية، قاد بكل اقتدار جولات تفاوضية عديدة من أجل ترسيخ ثقل مملكة البحرين الصناعي على الخريطة العالمية.
هنا سؤال يلح على ذهني، لماذا وقع اختيار ألبا على مصهر دونكيرك بالذات؟ المدينة التي حملت على عاتقها تاريخاً من المقاومة والصعود، يبدو أن الخيار لم يكن استثماراً بحتاً، فدونكيرك ليست مجرد مدينة ساحلية عابرة، إنما بوابة صناعية نحو شمال أوروبا ومحور طاقة يضم مفاعلات نووية ومحطات كهرباء هائلة.
أضف إلى ذلك أن ألبا تمتلك حلولاً جاهزة لها من واقع تجربتها في البحرين، وهنا تكمن الخبرة، فنحن نشتري فرصة نعرف كيف نديرها وسنصنع الألمنيوم في دونكيرك، بأيدٍ فرنسية وخبرة بحرينية، ونبيعه للعالم من بوابة أوروبا. وهذا هو الفارق الجوهري بين طموحنا الصناعي وغيره. نحن نذهب إلى العالم لنخلق تكاملاً صناعياً ينتفع به الجميع، هذه هي الفلسفة التي يتحدث عنها معالي وزير المالية دوماً، وهذه هي الروح التي تملأ قلوب فريق العمل خلف كواليس هذه الصفقة.
الجدوى الاقتصادية للصفقة ليست مجرد أرقام، إنما هي معادلة ذكية تتجاوز المنطق التقليدي للاستحواذ، فبتملك هذا المصهر، تحصل «ألبا» على بوابة معفاة من الرسوم الجمركية إلى السوق الأوروبي الموحد، وهو ما يوفر عليها عناء دفع التعريفات الباهظة التي تصل إلى ما يقارب 6% على واردات الألمنيوم من خارج الاتحاد، والأهم من ذلك، أن دونكيرك هي مدينة الطاقة بامتياز، فهي تضم أقرب محطة للطاقة النووية ومحطات رياح بحرية عملاقة، مما يعني كهرباء أرخص وأقل كلفة من أي مكان آخر في القارة، والكهرباء تمثل 40% من تكلفة إنتاج الألمنيوم. باختصار، نحن لا نشتري مصهراً فحسب، إنما نشتري ميزة تنافسية كاملة الجاهزية، أرباحها تعود بالخير على خزينة البحرين.