سلمان ناصر

في السياسة كما في الأمن، هناك لحظات تتجاوز أهميتها الحدث نفسه، لأنها تكشف عن اتجاه جديد في التفكير. واتفاقية مكة للدفاع المشترك بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان قد تكون واحدة من تلك اللحظات.

فالعالم اليوم لا يشبه العالم الذي عرفناه قبل عقد من الزمن. الأزمات تتسارع، والتهديدات تتنوع، والتحالفات التقليدية تعيد حساباتها في ظل نظام دولي يشهد تحولات متلاحقة. وفي مثل هذه البيئة، لم يعد كافيًا أن تمتلك الدول القوة، بل أصبح الأهم أن تمتلك القدرة على بناء الشراكات التي تعزز تلك القوة، وتحولها إلى استقرار وتأثير.

من هنا تكتسب اتفاقية مكة أهميتها. فهي ليست مجرد اتفاق دفاعي بين ثلاث دول، بل تعبير عن إدراك متزايد بأن أمن المنطقة واستقرارها يتطلبان مستويات أعلى من التنسيق والتكامل بين القوى المؤثرة فيها.

تمثل اتفاقية مكة أحد أبرز المؤشرات على انتقال المنطقة من مرحلة الاعتماد الأمني إلى مرحلة الشراكة الأمنية. وهذا التحول لا يعني الانكفاء عن الشراكات الدولية القائمة، بل يعني أن دول المنطقة أصبحت أكثر استعدادًا لبناء قدراتها وشراكاتها الإقليمية، والمساهمة بصورة أكبر في صياغة بيئتها الأمنية بدل الاكتفاء بالتكيف معها.

وتأتي المملكة العربية السعودية في قلب هذا التحول. فخلال السنوات الأخيرة، رسخت المملكة مكانتها كقوة محورية لا يقتصر دورها على قيادة مسارات التنمية والاقتصاد، بل يمتد إلى المساهمة في صياغة مقاربات جديدة للاستقرار الإقليمي. وعندما تستضيف السعودية اتفاقية بهذا الحجم، وتجمع حولها قوى إقليمية مؤثرة، فإنها تؤكد دورها كطرف فاعل في رسم ملامح المستقبل، لا مجرد متابع للتحولات الجارية.

كما أن خصوصية الاتفاقية تكمن في طبيعة الأطراف المشاركة فيها. فالسعودية بثقلها السياسي والاقتصادي، وتركيا بقدراتها الصناعية والدفاعية، وباكستان بخبرتها العسكرية وموقعها الاستراتيجي، تمثل معاً نموذجاً لتكامل عناصر القوة أكثر من كونها مجرد تجمع مصالح مؤقت.

وفي ظل التحديات التي تواجه المنطقة، من أمن الممرات البحرية إلى حماية المصالح الحيوية ومواجهة التهديدات العابرة للحدود، فإن

بناء أطر تعاون أكثر فاعلية لم يعد خياراً إضافياً، بل ضرورة تفرضها الوقائع والمتغيرات.

لكن القيمة الحقيقية لأي اتفاقية استراتيجية لا تظهر يوم توقيعها، وإنما في قدرتها على التحول إلى واقع عملي. فكلما توسع التعاون الأمني والعسكري، وتعزز التنسيق المؤسسي، وارتفعت مستويات العمل المشترك، ازدادت أهمية الاتفاقية وتأثيرها في معادلات الأمن الإقليمي.

حجر الزاويةالتاريخ لا يتذكر الاتفاقيات التي وُقعت، بل يتذكر الاتفاقيات التي صنعت فارقاً.

وقد يكون من المبكر معرفة المسار الكامل الذي ستسلكه اتفاقية مكة، لكن من المبكر أيضاً التقليل من أهميتها. فهي تعكس توجهاً جديداً يقوم على الشراكة بدل العزلة، وعلى التكامل بدل العمل المنفرد، وعلى صناعة الاستقرار بدل الاكتفاء بإدارته.

لهذا، فإن أهمية الاتفاقية لا تكمن فقط في ما تمثله اليوم، بل في ما يمكن أن تؤسس له غداً. وإذا نجحت في التحول من إطار للتعاون إلى منصة للعمل المشترك طويل الأمد، فقد ينظر إليها مستقبلاً بوصفها إحدى المحطات التي ساهمت في إعادة تشكيل مفهوم الأمن الإقليمي، وأحد أحجار الزاوية في بناء منظومة أكثر استقراراً وقدرة على مواجهة تحديات المستقبل.