ما يجري في الخليج العربي اليوم لم يعد سلسلة أحداث متفرقة، بل نمطاً متكرراً من الضغط يعيد تشكيل مفهوم الاستقرار ذاته. فالتوترات والاعتداءات التي طالت دولاً مثل البحرين والكويت مؤخراً لا يمكن قراءتها خارج سياقها الأوسع، حيث تتداخل السياسة بالأمن، وتتحول الأدوات غير المباشرة إلى جزء من إدارة النفوذ الإقليمي، وفي قلب هذا المشهد يبرز نظام إيران كفاعل رئيسي في إنتاج هذا النوع من التوازن غير المستقر.
المسألة هنا لا تتعلق بحدث منفصل، بل بمنهج يتكرر: ضغط، اختبار، ثم إعادة إنتاج للتوتر بأشكال مختلفة. وكلما تكرر هذا النمط، أصبح فهم «الصورة الكاملة» أهم من الانشغال بتفاصيل كل واقعة على حدة.
في المقابل، اختار مجلس التعاون لدول الخليج العربي مساراً مختلفاً يقوم على الاستقرار الداخلي وبناء منظومة أمن جماعي أكثر تماسكًا. هذا المسار يعكس تحولاً مهماً في مفهوم الدولة: من دولة ترد على الخطر بعد وقوعه، إلى دولة تعمل على منعه قبل أن يتشكل. وهذا في حد ذاته انتقال من منطق الدفاع إلى منطق إدارة الاستقرار.
لكن الأخطر في هذه المرحلة ليس وجود التوتر، بل قابليته للتكرار. فحين تتحول الأحداث إلى نمط، يصبح السؤال الحقيقي أعمق من الحدث نفسه: هل نحن أمام وقائع متفرقة، أم أمام سياسة ضغط مستمرة تُدار بعقل استراتيجي بارد؟
التجربة الدولية تشير إلى أن الدول التي تتعامل مع الاستقرار كخيار استراتيجي تنجح في امتصاص الصدمات دون انهيار، بينما البيئات التي تُدار بمنطق الضغط المتواصل تتحول إلى مناطق استنزاف طويلة الأمد، لا تقف آثارها عند حدود دولة واحدة، بل تمتد إلى الإقليم بأكمله.
وفي هذا السياق، يصبح القانون الدولي ليس مجرد إطار تنظيمي، بل خط الفصل بين نظام يمكن التنبؤ بسلوكه، وآخر تحكمه ردود الفعل وتوازنات القوة غير المقيدة. ومع تراجع هذا الخط الفاصل، يصبح الاستقرار نفسه حالة قابلة للاهتزاز الدائم.
ومن هنا، فإن استقرار دول الخليج العربي لم يعد شأناً داخلياً محضاً، بل عنصراً بنيوياً في استقرار المنطقة. فأي مساس به لا يبقى محصوراً داخل الحدود، بل يعيد تشكيل معادلات الأمن الإقليمي والدولي بشكل أوسع.
- حجر الزاوية: إن جوهر الإشكال لا يكمن في تكرار الحوادث، بل في البيئة التي تسمح بتحويلها إلى نمط مستمر منخفض الكلفة.فعندما تكون كلفة استهداف الدول منخفضة، يصبح التكرار سهلاً ومتاحاً. وعندما تكون هناك قواعد واضحة وردع فعّال، يصبح هذا السلوك أقل جدوى وأعلى تكلفة.
لهذا لا يُقاس استقرار الخليج العربي بغياب التوتر، بل بقدرة دوله على رفع كلفة هذا التوتر إلى درجة تجعل استمراره غير منطقي سياسياً أو عملياً.
وفي النهاية، الاستقرار لا يُحافظ عليه بالشعارات، بل بالوضوح والجاهزية وبناء توازن يجعل فكرة الاختبار نفسها خياراً غير مجدٍ من الأساس.