في عام 1963م كان علي عبدالله خليفة طالباً في مدرسة المنامة الثانوية، وحين وصل إلى البحرين عالم موسيقى الشعوب الدنماركي البروفيسور بول روفتنج أولسن، اختاره ليرافقه في جولاته الميدانية بين الدور الشعبية وفرق الفنون الغنائية في المحرق، كان الشاب البحريني يقوده إلى الأماكن، ويستمع معه إلى أصوات البحارة، ويراقب كيف يسجل الباحث الأغاني، وكيف يسأل عن كلماتها ومسمياتها والظروف التي تؤدى فيها.
كانت تلك الجولات من اللحظات التي صنعت مساراً كاملاً، فقد قال علي عبدالله خليفة لاحقاً إنه تعلم منها أساليب الجمع الميداني وكيفية التسجيل، وظل بعد سفر أولسن يراسله بالبريد، ويجيبه عن أسئلة تتعلق بالكلمات والمصطلحات التي جمعها في البحرين، والأهم أن التجربة فتحت عينيه على قيمة ما كان يراه حوله كل يوم، فالفنون التي يعرفها من المحرق، والمواويل التي يسمعها، وأصوات البحارة التي تنتمي إلى حياته اليومية، أصبحت فجأة موضوعاً يأتي باحث من الدنمارك ليقطعه آلاف الكيلومترات من أجل تسجيله ودراسته.
ومن هنا يمكن فهم جانب كبير من علي عبدالله خليفة الذي عرفناه لاحقاً، فقد امتدت تجربته من الشعر إلى البحث في التراث، ثم إلى بناء المشروعات الثقافية والمؤسسات التي حفظت جانباً واسعاً من الذاكرة الشعبية البحرينية والخليجية، وجاء الباحث السويسري سايمون جارجي في بداية السبعينيات ليضيف إلى تلك التجربة معرفة أوسع بأساليب الجمع والتوثيق، حتى وصف علي أثر الباحثين عليه بعبارة شديدة الدلالة عندما قال إنهما «عجناني وخبزاني بالمادة التراثية».
قبل فترة عدت إلى هذا المسار، وأنا أعد ورقة علمية بعنوان «مجلة الثقافة الشعبية ودورها في صون الذاكرة الثقافية البحرينية»، للمشاركة في مؤتمر التراث الثالث الذي ينظمه معهد الشارقة للتراث، وكلما تعمقت في تجربة المجلة وجدت أن الحديث عنها يقود تلقائياً إلى علي عبدالله خليفة، وإلى مشروع بدأ من تلك الجولات القديمة في المحرق، ثم أخذ يتسع عبر مركز التراث الشعبي لدول الخليج العربية ومجلة «المأثورات الشعبية» وأرشيف الثقافة الشعبية، حتى وصل إلى مجلة «الثقافة الشعبية».
وتستحق مجلة «الثقافة الشعبية» أن نتوقف عندها طويلًا، لأنها أصبحت واحدة من المشروعات الثقافية التي انطلقت من البحرين إلى فضاء عربي أوسع، وفتحت صفحاتها أمام الباحثين لدراسة الحكاية الشعبية والأغنية والفنون والعادات والحرف، وحولت كثيراً من المواد التي كانت تعيش في صدور الرواة والمجالس إلى نصوص موثقة يمكن الرجوع إليها ودراستها، ومن هذا الفهم جاءت مشروعات مثل موسوعة «ألف حكاية وحكاية»، التي نقلت جانباً من الرواية الشفهية البحرينية إلى مادة محفوظة للأجيال القادمة.
وعلي عبدالله خليفة في هذه التجربة كان أكثر من شاعر يرأس تحرير مجلة، فقد كان جزءاً من حراك أدبي وثقافي امتد لعقود، وأسهم في صناعة مساحات للكاتب والباحث والمثقف، وظل يؤمن بأن الثقافة تحتاج إلى مؤسسة تحفظها وتمنحها فرصة للاستمرار، وهذه واحدة من أهم الأفكار التي بقيت معي وأنا أقرأ تجربته استعداداً لورقتي.
وفي بداية هذا الأسبوع حضرت حفل تأبين الشاعر والمثقف علي عبدالله خليفة في مركز عبدالرحمن كانو الثقافي، وكان تأبيناً مهيباً يليق برجل عاش الثقافة مشروعاً ممتداً، وجمع في تجربته بين الشعر والعمل المؤسسي والبحث في التراث الشعبي، حتى أصبح اسمه مرتبطاً بمرحلة كاملة من الحراك الثقافي في البحرين والخليج، كان حفلاً راقياً في تفاصيله، وفي الكلمات التي قيلت، وفي الوفاء الذي أحاط بصاحبه، واستعاد الحاضرون الشاعر والباحث والمثقف والإنسان، واستعادوا معه سنوات طويلة من العمل الثقافي الذي تجاوز حدود الشخص إلى مؤسسات ومجلات وباحثين وكتب.
جلست في الحفل، وأنا أتذكر أن بوفهد كان من المفترض أن يكون ضيفاً على جمعية تاريخ وآثار البحرين في محاضرة بعنوان «سيرة ومسيرة»، وأنني دعوته كذلك إلى تدشين نادي دلمون للقراءة وتسلم عضويته الفخرية، ثم حالت ظروف الحرب دون اللقاء، وبقي الموعد معلقاً.
وربما لهذا كان أجمل ما في التأبين المهيب أنه أعاد الرجل إلى الحاضرين من خلال أثره، فبعد أكثر من ستين عاماً على ذلك الطالب الذي كان يمشي مع الباحث الدنماركي بين دور المحرق، بقيت الحكاية نفسها مستمرة، ما زال هناك من يسجل، ومن يبحث، ومن يكتب، ومن يفتح عدداً جديداً من «الثقافة الشعبية» ليجد داخله صوتاً من أصوات الناس الذين أحب علي عبدالله خليفة أن يحفظهم من الغياب.
بدأت الحكاية بجهاز تسجيل في المحرق، وانتهت إلى مشروع ثقافي كبير، وبين البداية والنهاية عاش علي عبدالله خليفة وهو يصغي جيداً إلى ذاكرة الناس، ثم علّم أجيالاً بعده كيف تصغي إليها.