لم يكن تمرين «درع البحرين» العسكري مجرد عرض لقوة العتاد والجنود، بل كان مشهداً سياسياً بالغ الدلالة، فقد التقت فيه إرادة البحرين مع إرادة الأشقاء في دول الخليج العربية، وشكلت كلمة حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم حفظه الله ورعاه في هذا الحدث الرؤية الاستراتيجية المتكاملة التي جمعت بين الأمن والتنمية، وبين الردع والحضارة الإسلامية وبين التاريخ والمعاصرة وحسن الجوار والحق في العيش في سلام يتيح بأن ينعم الجميع بالأمان، ويحافظوا على ما حققوه من تنمية وعمران للأجيال الحالية والقادمة.

إن كلمة جلالة الملك المعظم في تمرين «درع البحرين» تجاوزت أفق المناسبة العسكرية لتصبح رؤية سياسية متكاملة في مرحلة هي الأخطر في تاريخ الإقليم. إن البحرين، بقيادتها الحكيمة، تثبت دائماً أنها رمز العقل والحكمة بما تمتلكه من رؤية استراتيجية بالغة العمق والشمول لحاضر المنطقة ومستقبلها.

فقد اتسمت الكلمة السامية بالواقعية السياسية في أنقى صورها، فمجلس التعاون لدول الخليج العربية، ليس إطاراً تعاونياً تقليدياً، بل «منظومة ردع متكاملة ومتعاونة». لذلك فإن الكلمة السامية لا تخاطب الحاضر بلغة الأمنيات والعواطف، بل بلغة المصالح الحيوية وتوازن القوى؛ حيث العمران التنموي والحضاري لدولنا ليس أمراً عابراً، بل ثمرة مسار طويل من الاستقرار الذي يحتاج إلى رؤى عميقة تحميه، وعقول رصينة ترعاه. لذلك فإن تلاحم القوات المسلحة الخليجية كان تجسيداً عملياً لقاعدة استراتيجية كبرى تؤكد أن الأمن الخليجي كل لا يتجزأ، وأن دماء الرجال على كل الجبهات واحد للدفاع عن دولنا الخليجية العربية.

لقد أكدت الكلمة الملكية السامية على الأخوة الخليجية والانتماء المشترك باعتبارهما الأساس الذي يمنح التعاون الدفاعي شرعيته السياسية، فتظهر القوة العسكرية باعتبارها امتداداً للتكامل بين الأشقاء. ولذلك لم تكتفِ الكلمة بتوصيف البيئة الأمنية، بل أعادت تعريفها. وأن وظيفتها حفظ الأمن والاستقرار والتنمية والتطور الحضاري الذي حققته دول المجلس.

لقد برزت حكمة القائد في الكلمة الملكية السامية، حين انتقل من لغة السياسة المباشرة إلى رحاب التاريخ؛ حيث فتحت الكلمة السامية صفحات التاريخ الذي جمعته الرسالة المحمدية لعلها توقظ الضمير ومقتضيات حسن الجوار وترشد السلوك الإيراني الذي لم يراعِ كل هذه المبادئ السامية؛ ولذلك كشفت الكلمة السامية المفارقة الحضارية الكبرى، ألا وهي كيف تنسى الدولة الجارة فضل الرسالة المحمدية التي انتشلت حضارتها من عتمة الضلال إلى النور الإنساني والمعرفي؟

وفي هذا السياق، لا تستخدم الكلمة السامية التاريخ والبعد الحضاري والديني بوصفهما أدوات للماضي، بل باعتبارهما جزءاً من الحاضر السياسي. فاستدعاء قيم الرسالة الإسلامية، وحسن الجوار، والأخوة، يبرز النهج الأخلاقي للسياسة البحرينية التي تؤكد دائماً على القيم الإسلامية والحضارية والأخلاقية والقوانين والأعراف الدولية، والتي في مقدمتها عدم الاعتداء والعيش في سلام ونبذ الصراعات واحترام مبادئ حسن الجوار.

إن الرسالة الأساسية التي شددت عليها الكلمة الملكية السامية هي الربط بها بين عناصر الأمن والهوية، القوة والقيم، الجيش والتنمية، الدولة والجماعة. ولذلك نجحت الكلمة في تحويل التدريب العسكري إلى قصة سياسية، وأداة استراتيجية، وتصور حقيقي وواقعي لمستقبل أفضل يشارك فيه جميع دول المنطقة.

* دكتوراه في الإعلام الرقمي