إن الإنسان قديماً يلهث وراء الجديد، ويعدّ كل ما مضى صفحة طواها الزمن. أما اليوم، فقد حدث أمرٌ يدعو إلى التأمل؛ إذ أصبحت الأسواق تمتلئ بمنتجات تشبه ما كان في بيوت الأجداد، وعادت الألعاب القديمة، وأجهزة التسجيل، والكاميرات الفيلمية، والملابس ذات التصاميم الكلاسيكية، حتى كأن العالم، بعد رحلة طويلة إلى الأمام، التفت فجأة لينظر إلى الخلف.

واللافت أن كثيراً ممن عاشوا تلك الأزمنة أصبحوا اليوم أكثر إقبالاً على اقتناء أشيائها. نشتري مذياعًا قديم الشكل، أو لعبةً عرفناها في طفولتنا، أو قطعة أثاث تشبه ما كان في بيت الأسرة، وربما نقف طويلاً أمام شيء بسيط لا يحتاجه بيتنا، لكننا نشعر بحاجة غريبة إليه؛ لأنه لا يعيد إلينا الشيء نفسه بقدر ما يعيد إلينا زمنه.

فهل نحن نشتري الأشياء القديمة حقاً.. أم نحاول أن نشتري بها لحظةً من أعمارنا؟

لعلنا لا نفتقد الأشياء بقدر ما نفتقد أنفسنا ونحن نعيش معها. فالفنجان القديم ليس أجمل من غيره، لكنه قد يعيد صباحاً كانت فيه الأم تجلس في مكانها المعتاد. والمذياع ليس أفضل من هاتف يحمل آلاف الأغنيات، لكنه قد يوقظ صوتاً كان يملأ البيت. واللعبة القديمة لا تنافس ألعاب اليوم في تقنياتها، لكنها تحمل بين تفاصيلها يد طفلٍ كنّاه ذات يوم.

وهنا يكمن سر الحنين؛ فالذاكرة لا تحفظ الأشياء وحدها، بل تحفظ ما كان حولها من وجوه وأصوات وروائح ومشاعر. لذلك قد تكون قطعة لا تساوي في السوق إلا القليل، لكنها عند صاحبها تساوي فصلاً كاملاً من العمر.

لقد تقدم العالم بسرعة مذهلة، لكنه في أثناء الركض أسقط أشياء كثيرة على الطريق؛ المجالس الطويلة، والرسائل المكتوبة بخط اليد، واللعب في الأزقة، والزيارات التي لا يسبقها موعد، والأحاديث التي كانت تبدأ بعد فنجان القهوة ولا تنتهي بانتهاء الوقت.

ولهذا أدركت الأسواق هي الأخرى قوة الحنين، فعادت تصنع لنا القديم في ثوب جديد؛ أجهزة حديثة بتصاميم الأمس، وأزياء تستعيد عقودًا مضت، وألعاباً كنا نظن أنها اختفت إلى الأبد. وكأن السوق لم تعد تبيعنا منتجاً فقط، بل تبيعنا إحساساً؛ قطعة صغيرة من طفولة، أو رائحة بيت، أو صوت مذياع، أو مساءً قديماً لم يبق منه إلا الذكرى.

ولعلنا لا نشتري الماضي لأننا نرفض الحاضر، ولا لأن الأمس كان كاملاً، بل لأن بعض مراحل العمر تزداد جمالاً كلما ابتعدت. فنحن نعرف أن الزمن لا يعود، ومع ذلك نحب الأشياء التي تقرّبه منا، ولو للحظات.

وربما لهذا نمد أيدينا إلى تلك الأشياء القديمة ونأخذها معنا إلى بيوتنا الجديدة؛ لا لأنها أجمل مما نملك، ولا لأنها أكثر نفعًا، بل لأنها تحمل شيئاً لا تستطيع المصانع الحديثة أن تصنعه.

إنها تحملنا.. كما كنّا.

فهل نحن نشتري الأشياء القديمة حقاً.. أم نحاول أن نشتري بها لحظةً من أعمارنا؟

لعلنا لا نفتقد الأشياء بقدر ما نفتقد أنفسنا ونحن نعيش معها. فالفنجان القديم ليس أجمل من غيره، لكنه قد يعيد صباحاً كانت فيه الأم تجلس في مكانها المعتاد. والمذياع ليس أفضل من هاتف يحمل آلاف الأغنيات، لكنه قد يوقظ صوتاً كان يملأ البيت. واللعبة القديمة لا تنافس ألعاب اليوم في تقنياتها، لكنها تحمل بين تفاصيلها يد طفلٍ كنّاه ذات يوم.

وهنا يكمن سر الحنين؛ فالذاكرة لا تحفظ الأشياء وحدها، بل تحفظ ما كان حولها من وجوه وأصوات وروائح ومشاعر. لذلك قد تكون قطعة لا تساوي في السوق إلا القليل، لكنها عند صاحبها تساوي فصلاً كاملاً من العمر.

لقد تقدم العالم بسرعة مذهلة، لكنه في أثناء الركض أسقط أشياء كثيرة على الطريق؛ المجالس الطويلة، والرسائل المكتوبة بخط اليد، واللعب في الأزقة، والزيارات التي لا يسبقها موعد، والأحاديث التي كانت تبدأ بعد فنجان القهوة ولا تنتهي بانتهاء الوقت.

ولهذا أدركت الأسواق هي الأخرى قوة الحنين، فعادت تصنع لنا القديم في ثوب جديد؛ أجهزة حديثة بتصاميم الأمس، وأزياء تستعيد عقودًا مضت، وألعاباً كنا نظن أنها اختفت إلى الأبد. وكأن السوق لم تعد تبيعنا منتجاً فقط، بل تبيعنا إحساساً؛ قطعة صغيرة من طفولة، أو رائحة بيت، أو صوت مذياع، أو مساءً قديماً لم يبق منه إلا الذكرى.

ولعلنا لا نشتري الماضي لأننا نرفض الحاضر، ولا لأن الأمس كان كاملاً، بل لأن بعض مراحل العمر تزداد جمالاً كلما ابتعدت. فنحن نعرف أن الزمن لا يعود، ومع ذلك نحب الأشياء التي تقرّبه منا، ولو للحظات.

وربما لهذا نمد أيدينا إلى تلك الأشياء القديمة ونأخذها معنا إلى بيوتنا الجديدة؛ لا لأنها أجمل مما نملك، ولا لأنها أكثر نفعًا، بل لأنها تحمل شيئاً لا تستطيع المصانع الحديثة أن تصنعه.

إنها تحملنا.. كما كنّا.