ليس كل قلم قادراً على ترك الأثر، وليس كل كلمة قادرة على صناعة التغير، فتعج الصفحات بالأقلام، وتملأ الكلمات العقول، فبعضها يغرق في جب النسيان وبعضها يبقى لأنها لامست حقيقة، أو عبرت عن احتياج. ومن منطلق أهمية الكلمة جاءت جائزة رئيس مجلس الوزراء للصحافة، في السادس من أغسطس، فهي ليست احتفاء بمهنة الصحافة فحسب، وإنما احتفاء بقيمة الكلمة والقلم، حين تتجاوز مهمتهما نقل الخبر، لتمتد إلى حماية وعي المجتمع وتوثيق الحقيقة وصونها.

نعم.. القلم حارس لوعي المجتمعات، فعندما تتسارع الأحداث، وتتعدد مصادر المعلومات، وتتنوع الثقافات تصبح الحاجة إلى الصحافة الحيادية أكثر إلحاحاً. فالمعلومة لم تعد تنتظر صحيفة صباحية أو نشرة إخبارية؛ إنها تصل إلى هاتف الإنسان في لحظتها، وقد تصل معها عشرات الروايات والتفسيرات والشائعات. لتصبح الحقيقة ضالة كل فرد.

فالصحفي المحترف لا ينافس الآخرين على السبق الصحفي، بل على مصداقية الخبر. فلا يكتفي بعرض الحدث، بل يقرأ خلفياته، ويتحقق ويقارن ويدقق ليصل إلى المصداقية. فالقلم المهني هو أحد خطوط الدفاع المهمة عن الوطن، فيحميه من الشائعات والتضليل، ويوثق تاريخه بكل صدق وحيادية، فالصحافة الحقيقية تكون حاضرة في تفاصيل أحداث الوطن، باعتبارها جزءاً من نسيجه ومسؤولة عن سلامته ووعي كل من يعيش على أرضه.

ولعل من أكبر المخاطر التي تحيط بالأوطان انتشار الأخبار الزائفة والشائعات، ومن هنا تتضاعف مسؤولية الصحافة في عصر المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي. فالخبر الكاذب يمكن أن ينتشر في دقائق، والتفسير الخاطئ يمكن أن يتحول إلى قناعة عامة، والعنوان المثير قد يسبق الحقيقة بمسافات طويلة. لذا باتت الصحافة المهنية ضرورة.

فنحن نحتاج إلى صحفي يملك شجاعة السؤال، ونزاهة التحقق، وهدوء التحليل، وأخلاق المهنة. نحتاج إلى قلم لا تحركه الرغبة في الإثارة، ولا تغريه سرعة الانتشار، فالقلم الذي يكتب من أجل التفاعل فقط قد يحقق انتشاراً، لكنه لا يترك أثراً.

ومن هذه الزاوية تأتي أهمية جائزة رئيس مجلس الوزراء للصحافة ؛ فهي لا تكرم الأعمال الصحفية المتميزة فقط، وإنما تمنح رسالة تقدير للمهنة نفسها، وتقول للصحفي إن جهده في البحث والتحقيق والتوثيق وصناعة المحتوى المهني محل تقدير، وإن المجتمع بحاجة إلى قلمه الجاد.

والجوائز الصحفية لا ينبغي أن تكون محطة يصل إليها الصحفي ثم يتوقف، بل محطة ينطلق منها إلى مسؤولية أكبر. فكل تكريم يحمل في داخله سؤالاً: ماذا بعد؟ ماذا سنكتب؟ كيف سنكتب؟ ولمن نكتب؟ فتلك الأسئلة هي التي ستحدد مستقبل الصحافة، وما هذه الجائزة إلا قوة دفع للصحافة البحرينية لتستمر في عطائها وتطورها، وتكون الاستدامة صفة أصيلة فيها.. ودمتم سالمين.