إنه «تريليونير الفضاء»، إيلون ماسك، الذي تخطت ثروته عتبة التريليون دولار بعد طرح شركته «SpaceX»، والذي يصر في كثير من تصريحاته على أن المال لن يكون ذا جدوى في المستقبل القريب، وبالتالي ليس على الناس والشركات أن تهتم بادخار وجمع المال!

في الواقع، وبينما أنا أشاهد قرع إيلون ماسك جرس بورصة ناسداك إيذاناً ببدء الاكتتاب العام لشركة SpaceX، كنت أفكر أن هذا التحول التاريخي في أسواق المال يحمل في طياته أبعاداً مغايرة تتطلب الكثير من الحذر والتحوط من قِبل صناع القرار الاقتصادي في العالم، وفي منطقة الخليج العربي بما فيها مملكة البحرين؛ إذ يفرض هذا النفوذ المالي والتكنولوجي الفائق تحديات تمس الاستقرار المصرفي، والسيادة الرقمية، وتنافسية القطاعات الوطنية.

على الصعيد المالي، يبرز التهديد الذي يواجه القطاع المصرفي التقليدي؛ حيث إن طموح ماسك المستمر لتحويل منصاته الرقمية إلى مصارف افتراضية شاملة (FinTech) يهدد بسحب البساط تدريجياً من البنوك التجارية في المنطقة، لاسيما في قطاعات التجزئة والتحويلات الدولية.

يضاف إلى ذلك، «تأثير ماسك» المربك على الأسواق؛ حيث يتسم سلوكه الاستثماري بارتباط وثيق بالعملات الرقمية والأصول المشفرة، مما يجعل أسواق المال ومنصات التداول مرشحة دائماً لموجات تقلب حادة وغير عقلانية بناءً على تصريحاته الشخصية، وهو ما يضع الأجهزة الرقابية ومصارف المركزية أمام تحدي الحفاظ على استقرار التعاملات.

ومن زاوية توزيع الثروة، تكرس هذه الحقبة مفهوماً أعمق للتفاوت الاقتصادي؛ إذ إن تجميع تريليون دولار في يد فرد واحد يعني ترحيل القيمة المضافة القصوى والأرباح الفائقة من أسواق المستهلكين المحلية إلى الخارج، دون استفادة حقيقية للمجتمعات من خلال التوظيف الواسع للكوادر الوطنية أو الضرائب المباشرة.

كما أن هذا الهوس العالمي بـ«بارونات التكنولوجيا الجدد» قد يدفع الصناديق السيادية والاستثمارية في المنطقة إلى المبالغة في تقييم هذه القطاعات، وتوجيه سيولة ضخمة نحو مجالات عالية المخاطر كاستكشاف الفضاء والذكاء الاصطناعي التجريبي، مما يعرض الاستثمارات الخليجية لهزات عنيفة في حال حدوث تصحيح حاد أو فقاعة تكنولوجية جديدة.

أيضاً، من الهواجس التي يجب التفكير بها ملياً مخاطر احتكار الفضاء والاتصالات، وتأثيرها المباشر على السيادة الرقمية؛ وهذا التمدد لإنترنت الفضاء بأسعار تنافسية قد يشكّل تهديداً كبيراً للإيرادات السيادية لشركات الاتصالات الوطنية الخليجية، والتي تُعد من الروافد الأساسية للناتج المحلي الإجمالي، فضلاً عمّا يفرضه هذا النموذج العابر للحدود من تعقيدات سيبرانية تصعّب على الأطر التنظيمية المحلية فرض قوانين حماية البيانات والرقابة الأمنية في أوقات الأزمات.

نحن أمام إعلان رسمي عن دخول البشرية عصر «الرأسمالية الفائقة» واقتصاد الفضاء والذكاء الاصطناعي، وهو إعلان يُعيد صياغة موازين القوى المالية، وتحدٍّ هيكلي يتطلب من اقتصاديات الخليج والبحرين بناء مصدات وقائية، وإعادة تموضع سريعة في الاقتصاد العالمي الجديد.