المهتم بالتطور في التكنولوجيا الحديثة يلاحظ أن هناك طفرة مذهلة في مجالات شتى، والتي تنعكس بدورها على المجتمع. وتعتبر الميكانيكا الكمية واحدة من أهم فروع العلم التي تساهم في هذا التطور. ومن المعروف أن العالم منذ فترة يعاني من نقص الطاقة التي تمثل حجر الزاوية في التنمية المجتمعية. فبدأ يوظف الإمكانيات المناخية في إنتاج الطاقة، فظهر ما يسمى بطاقة الرياح والطاقة الشمسية، والتي تعتبر من أنواع الطاقة النظيفة، والتي يحرص عليها المهتمون بالعلوم البيئية، كما أن هناك أنواعاً مختلفة من الطاقات، والتي تصنف بأنها ليست صديقة للبيئة مثل الطاقة النووية وغيرها.
وبناء على ذلك تم استخدام التطور العلمي في الرياضيات والفيزياء في استحداث نوع جديد من الطاقة صديقة للبيئة، والتي تعرف اليوم بالبطاريات الكمية. حيث قدم الباحثان روبرت أزيڤيدو وفرانكو نوري في عام 2013 أول اقتراح نظري للبطارية الكمية يعتمد على التفاعل بين أنظمة كمية متعددة، مما أظهر إمكانية تحقيق سرعات شحن أعلى من البطاريات التقليدية. وعلى ذلك يمكن القول بأن البطاريات الكمية هي نظام لتخزين الطاقة يعتمد على الأنظمة الكمية بدلاً من التفاعلات الكيميائية المستخدمة في البطاريات التقليدية. ففي البطاريات التقليدية تُخزن الطاقة نتيجة تفاعلات كيميائية بين الأقطاب والإلكترونية، بينما تُخزن الطاقة في البطاريات الكمية من خلال حالات كمية لجسيمات مثل الذرات أو الجزيئات أو الفوتونات. أما عن التقنيات الكمية المستخدمة في توليد البطاريات الكمية تشمل ظاهرة التشابك الكمي، التراكيب الكمية، التجاويف الضوئية والفوتونات والأنظمة الضوئية.
تكتسب البطاريات الكمية أهمية كبيرة لعدة أسباب منها. يمكن شحنها بسرعة كبيرة جداً حيث تزداد سرعة الشحن مع زيادة عدد الخلايا الكمية، على عكس البطاريات التقليدية التي يصبح شحنها أبطأ كلما ازداد حجمها. كما أنه في البطاريات الكمية يمكن تقليل الفاقد المرتبطة بعمليات الشحن والتفريغ، مما يؤدي إلى تحسين كفاءة استخدام الطاقة مقارنة بالأنظمة التقليدية. كما أن زمن احتفاظ البطاريات الكمية بالطاقة يقدر بمقدار ألف مرة مقارنة بالنماذج السابقة، مما يمثل خطوة مهمة نحو التطبيقات العملية. كما تعد البطاريات الكمية مرشحاً مثالياً لتغذية الحواسيب الكمية والأجهزة الكمية المستقبلية التي تتطلب مصادر طاقة متوافقة مع الأنظمة الكمية الحساسة. كما يتوقع الباحثون في هذا المجال بأن البطاريات الكمية سيكون لها دور أساسي وجوهري في تطوير الحواسيب الكمية، شبكات الاتصالات الكمية، الطائرات المسيّرة والأقمار الصناعية، الأجهزة الإلكترونية فائقة الصغر.
وفي هذا الصدد نجحت بعض الفرق البحثية في أستراليا هذا العام 2026 في عرض أول نموذج أولي قادر على تنفيذ دورة كاملة من الشحن والتخزين والتفريغ، مما يمثل خطوة مهمة نحو التطبيقات الصناعية المستقبلية. وأخيراً يمكن القول بأن البطاريات الكمية تمثل اتجاهاً ثورياً في مجال تخزين الطاقة، إذ تجمع بين مبادئ ميكانيكا الكم والتقنيات النانوية الحديثة لتحقيق سرعات شحن غير مسبوقة وكفاءة عالية في استخدام الطاقة.
* أستاذ المعلوماتية الكمية المشارك بجامعة البحرين